لماذا لا تتحول صراعات العالم إلى حروب من أجل الاقتصاد وإسعاد الشعوب؟
بقلم: أيمن بحر
فى عالم تمزقه الصراعات والنزاعات المسلحة وتستنزف فيه الحروب موارد الدول ومقدرات الشعوب يبرز سؤال مهم يستحق أن يتوقف أمامه قادة العالم وصناع القرار وهو لماذا لا تتحول المنافسة بين الدول من سباق التسلح والصراعات السياسية والعسكرية إلى سباق حقيقي في الاقتصاد والتنمية وتحسين مستوى معيشة المواطنين؟
فبدلا من إنفاق المليارات على الحروب وما تخلفه من دمار وخسائر بشرية واقتصادية يمكن توجيه جانب أكبر من الموارد إلى بناء المصانع وتطوير الزراعة ودعم الصناعة الوطنية وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية بما يضمن حياة كريمة للمواطنين ويمنح الأجيال الجديدة أملا حقيقيا في المستقبل.
التنمية الحقيقية هي أعظم انتصار
إن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة متطورة أو قدرات عسكرية وإنما تقاس أيضا بقدرتها على بناء اقتصاد قوي وتوفير احتياجات مواطنيها وتحقيق الاستقرار الاجتماعي وخلق بيئة تسمح بالابتكار والإنتاج والتقدم العلمي.
فالدولة القوية اقتصاديا هي القادرة على توفير الغذاء والدواء وتطوير منظومة التعليم والرعاية الصحية وتوفير فرص عمل مناسبة للشباب وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي واحتياجات التنمية المستدامة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الدفاع عن الأوطان وحماية السيادة الوطنية فلكل دولة حقها المشروع في حماية حدودها ومصالحها وإنما المطلوب هو أن تظل القوة وسيلة لحماية الشعوب وصون مقدراتها لا أن تتحول الصراعات إلى دوامة تستنزف الثروات وتعطل مسيرة البناء.
الشعوب هي الخاسر الأكبر من الحروب
خلف كل حرب مأساة إنسانية لا يمكن اختزالها في الأرقام والإحصاءات فهناك أسر تفقد أبناءها وأطفال يحرمون من التعليم ومواطنون يفقدون منازلهم ومصادر رزقهم ومجتمعات تحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بناء ما دمرته المعارك.
كما تفرض الحروب أعباء اقتصادية كبيرة قد تمتد آثارها إلى ارتفاع تكاليف المعيشة واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع الاستثمارات وتعطل المشروعات التنموية وهو ما يجعل المواطن البسيط من أكثر الفئات تأثرا بتداعيات الصراعات.
ومن هنا يصبح من الضروري إعادة النظر في أولويات الإنفاق والسياسات الدولية بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن والدفاع وبين حق الشعوب في التنمية والاستقرار والعيش الكريم.
لماذا لا تكون المنافسة في الاقتصاد والإنتاج؟
بدلا من التنافس على توسيع دوائر الصراع يمكن للدول أن تتنافس في زيادة الإنتاج وتحسين جودة التعليم وتطوير المستشفيات وتوطين التكنولوجيا وتوسيع الاستثمارات وتوفير فرص العمل.
لماذا لا تكون هناك مبادرات دولية أكثر فاعلية لمواجهة الفقر والجوع ونقص المياه والأمراض؟ ولماذا لا تتحول الخلافات إلى فرص للحوار والتفاوض وبناء المصالح المشتركة بدلا من أن تكون سببا في إهدار الموارد وتعميق الأزمات؟
إن التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والاستثمار في البحث العلمي يمكن أن تفتح آفاقا واسعة أمام الشعوب وتمنح الدول فرصا حقيقية لتحقيق النمو وتقليل أسباب التوتر وعدم الاستقرار.
كما أن التنمية لا تتحقق بالشعارات وحدها وإنما تحتاج إلى خطط واضحة وإدارة رشيدة للموارد ومكافحة الفساد وتحفيز الإنتاج وتكافؤ الفرص وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.
السلام يحتاج إلى إرادة حقيقية
إن الدعوة إلى السلام لا تعني تجاهل الخلافات أو التنازل عن الحقوق المشروعة وإنما تعني البحث عن حلول عادلة ومستدامة تحمي مصالح الدول وتحفظ كرامة الشعوب وتمنع تحول النزاعات إلى حروب مفتوحة.
ويتطلب ذلك احترام القانون الدولي والالتزام بالاتفاقيات والعمل الجاد على تسوية النزاعات بالوسائل السلمية وتعزيز الحوار والتعاون بين الدول مع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي قد تسهم في تفاقم الأزمات.
فالأمن الحقيقي لا ينفصل عن التنمية والاستقرار ولا يمكن بناء مستقبل مستدام في بيئة تستنزف فيها الحروب موارد الشعوب وتبدد فرص الأجيال القادمة.
الإنسان يجب أن يكون محور التنمية
إن الهدف الأساسي من قوة الدولة وثرواتها ومؤسساتها هو خدمة الإنسان وتحسين جودة حياته وتوفير الفرص التي تمكنه من العمل والإنتاج وتحقيق طموحاته.
ومن الضروري أن يصبح نجاح السياسات العامة مرتبطا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين من خلال تحسين الخدمات الأساسية ورفع كفاءة التعليم والرعاية الصحية وتوفير السكن الملائم ودعم الفئات الأكثر احتياجا وتمكين الشباب من المشاركة في بناء الاقتصاد.
فلا قيمة حقيقية للتقدم إذا لم يشعر المواطن بآثاره في حياته اليومية ولا جدوى من الثروات إذا لم تسهم في تحسين مستوى المعيشة وتوسيع فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية.
كلمة أخيرة
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الحروب بقدر ما يحتاج إلى إرادة حقيقية تجعل التنمية أولوية والسلام هدفا مشتركا والإنسان محور كل جهد سياسي واقتصادي.
فلنجعل المنافسة بين الدول في بناء المصانع وزيادة الإنتاج وتطوير العلوم ومكافحة الفقر والمرض والجهل والبطالة ولتكن معركتنا الكبرى من أجل اقتصاد قوي وشعوب آمنة ومستقبل أكثر عدالة واستقرارا.
إن أعظم انتصار لا يتحقق بتدمير الأوطان وإنما ببنائها ولا يقاس بحجم الخسائر التي تلحق بالآخرين وإنما بما تحققه الشعوب من تقدم وازدهار.
فهل يأتي اليوم الذى تتنافس فيه دول العالم على إسعاد شعوبها بدلا من استنزاف مقدراتها في الصراعات؟
يبقى هذا السؤال مفتوحا أمام ضمير الإنسانية وصناع القرار فى عالم يحتاج إلى مزيد من الحكمة والتعاون والعمل من أجل مستقبل يليق بالإنسان.



