الملحمة الكبرى في الحديث النبوي الشريف.. هل يمكن أن تتغير التحالفات الدولية قبل المواجهة الفاصلة؟
كتب: أيمن بحر
قراءة في حديث ذي مخبر رضي الله عنه حول صلح المسلمين والروم وما قد يترتب عليه من تحولات كبرى
تظل الأحاديث النبوية التي تناولت أحداث آخر الزمان من الموضوعات التي تثير اهتمامًا واسعًا لدى المسلمين، لما تحمله من معانٍ تتعلق بالمستقبل والصراعات والتحولات الكبرى التي قد تشهدها البشرية. ومن بين هذه الأحاديث حديث الصحابي ذي مخبر رضي الله عنه، الذي يتناول صلحًا بين المسلمين والروم ثم وقوع أحداث تنتهي بالغدر والاستعداد للملحمة.
وجاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن المسلمين سيصالحون الروم صلحًا آمنًا، ثم يقاتلون عدوًا من ورائهم، فينتصرون ويغنمون ويسلمون، قبل أن تقع أحداث تؤدي إلى انهيار هذا الصلح واندلاع مواجهة كبرى.
ويشير الحديث إلى أن العلاقات بين القوى المختلفة قد تمر بمراحل من التفاهم والتعاون، قبل أن تتغير الظروف وتتصاعد الخلافات إلى صراع واسع النطاق. غير أن تحديد هوية العدو المشترك المذكور في بداية الحديث، أو ربطه بدولة معاصرة بعينها، يظل أمرًا لا يجوز الجزم به دون دليل شرعي واضح.
تحالفات غير متوقعة في عالم تتغير موازين قوته
يشهد العالم المعاصر تغيرات متسارعة في موازين القوى، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية بين دول تختلف في توجهاتها السياسية والثقافية. وقد تدفع التهديدات المشتركة بعض الدول إلى التعاون، حتى لو كانت بينها خلافات تاريخية عميقة.
لكن هذا الواقع السياسي لا يعني بالضرورة أن التحالفات الحالية تمثل المقصود بالحديث النبوي، فالتشابه بين بعض الوقائع المعاصرة وما ورد في النصوص الدينية لا يكفي وحده لإثبات تحقق النبوءات.
الصليب والغدر.. دلالات الحدث في سياق الحديث
يتناول الحديث واقعة تحدث بعد الانتصار، حين يرفع رجل من الروم الصليب، ثم يقع خلاف يؤدي إلى تصاعد الأحداث وانهيار الصلح. وتبرز هذه الرواية خطورة الأفعال الفردية عندما تتحول إلى ذريعة لتوسيع الصراع، كما تذكر بالغدر الذي يعقب ذلك وفق تسلسل الرواية.
ومن المهم هنا التمييز بين ما يرويه الحديث وبين أي استنتاجات سياسية معاصرة؛ فلا يصح تحميل الشعوب أو الأديان بأكملها مسؤولية أفعال أفراد، ولا اتخاذ النصوص الدينية مبررًا للتحريض على الكراهية أو العنف.
ثمانون راية.. ماذا تقول الرواية؟
يذكر الحديث أن الروم يجمعون للملحمة تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفًا، أي ما مجموعه تسعمائة وستون ألفًا وفق الحساب الوارد في الرواية.
وهذا العدد جزء من النص المنقول، لكنه لا يمنحنا أساسًا لتحديد موعد وقوع الأحداث أو طبيعة الأسلحة والجيوش الحديثة التي قد ترتبط بها، كما لا يصح تحويله إلى توقع عسكري مؤكد بشأن حرب عالمية قادمة.
هل نحن أمام حرب عالمية جديدة؟
السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن أن يشهد العالم مستقبلًا تحالفات غير متوقعة يعقبها صراع واسع؟
من الناحية السياسية، تظل التحالفات قابلة للتغير وفق المصالح والتهديدات والظروف الدولية. أما من الناحية الدينية، فإن تنزيل أحاديث آخر الزمان على أحداث بعينها يحتاج إلى علم وتثبت، ولا يجوز القطع بأن دولة محددة أو جماعة معاصرة هي المقصودة دون مستند معتبر.
إن القراءة المسؤولة لهذا الحديث تجمع بين احترام النص النبوي، والابتعاد عن التفسيرات المتعجلة، وعدم تحويل الروايات الدينية إلى أخبار مؤكدة عن المستقبل.
ويبقى السؤال للنقاش: هل تستطيع التهديدات المشتركة أن تجمع خصوم الأمس في تحالف واحد، ثم تعود المصالح المتضاربة لتفرقهم؟ أم أن العالم يتجه نحو نظام دولي جديد تتبدل فيه التحالفات باستمرار؟
إن فهم المستقبل يبدأ بقراءة الواقع بعقل واعٍ، والتمييز بين النص الديني الثابت والاجتهاد البشري في تفسيره، بعيدًا عن التهويل والشائعات.



