القاهرة والرياض ترسمان ملامح تحرك عربي جديد في مواجهة أزمات المنطقة

القاهرة والرياض ترسمان ملامح تحرك عربي جديد في مواجهة أزمات المنطقة
كتب: أيمن بحر
في توقيت بالغ الحساسية تمر خلاله المنطقة العربية بمرحلة دقيقة ومفتوحة على العديد من الاحتمالات جاء لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في القاهرة ليعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين مصر والمملكة العربية السعودية ويؤكد أن التنسيق بين البلدين يتجاوز حدود البروتوكول والمناسبات الرسمية إلى ملفات تمس أمن المنطقة واستقرارها
وتأتي أهمية اللقاء في ظل تصاعد التحديات التي تواجه منطقة الخليج والبحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز إلى جانب استمرار الأزمة اليمنية وتطورات الأوضاع في السودان واستمرار الحرب في قطاع غزة
وفي هذا السياق أكدت مصر دعمها الكامل للإجراءات التي تتخذها المملكة العربية السعودية لحماية أمنها واستقرارها وسيادتها مع التأكيد على أهمية تعزيز التنسيق والتضامن بين القاهرة والرياض في مواجهة التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة
وتؤكد الرؤية المصرية أن أمن المملكة ودول الخليج يمثل عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن القومي العربي وأن الحفاظ على استقرار المنطقة يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين الدول العربية القادرة على التأثير وصناعة القرار
ولم يقتصر التنسيق المصري السعودي على الملفات الأمنية والسياسية فقط بل امتد إلى الجوانب الاقتصادية والاستثمارية والتجارية من خلال العمل على إزالة العقبات وتعزيز التعاون بما يخدم مصالح الشعبين المصري والسعودي ويدعم العلاقات التاريخية بين البلدين
كما تبرز أهمية التعاون بين القاهرة والرياض في ظل التحديات التي تواجه حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز باعتبار أن أمن الممرات البحرية يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي
وتولي مصر أهمية خاصة لهذه الملفات في ظل المكانة الاستراتيجية لقناة السويس التي تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية ولذلك فإن أي اضطراب في الممرات البحرية الدولية ينعكس بصورة مباشرة على المصالح المصرية والأمن الاقتصادي العالمي
وفي الملف الفلسطيني يواصل الموقف المصري السعودي التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل عادل وشامل يقوم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية مع رفض الانتهاكات التي تستهدف حقوق الشعب الفلسطيني والتأكيد على ضرورة حماية المدنيين وتحقيق السلام العادل
أما في السودان فتتفق الرؤى المصرية والسعودية على أهمية الحفاظ على وحدة الدولة السودانية وسيادتها واستقرارها ورفض أي محاولات لفرض واقع جديد يؤدي إلى تفكيك مؤسسات الدولة أو تكريس الانقسام
ويعكس هذا التنسيق أن القاهرة والرياض تدركان أن المرحلة الحالية تحتاج إلى رؤية عربية مسؤولة تقوم على حماية الأمن القومي العربي ومنع اتساع دائرة الصراعات والعمل على معالجة الأزمات من خلال السياسة والدبلوماسية والقوة الرادعة في الوقت نفسه
فمصر لا تتعامل مع أزمات المنطقة بمنطق الحرب لمجرد الحرب ولا بمنطق الصمت عندما تتعرض مصالحها ومصالح أشقائها للخطر وإنما تتحرك بمنطق الدولة التي تعرف متى تتفاوض ومتى تضغط ومتى تستخدم أدوات قوتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية
وهنا تكمن أهمية الدور المصري فالقوة وحدها لا تكفي من دون عقل سياسي والدبلوماسية وحدها تحتاج إلى قوة تحميها وعندما تجتمع القوة مع الحكمة والدبلوماسية يصبح للدولة تأثير حقيقي في محيطها الإقليمي
ويأتي لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع ولي العهد السعودي في القاهرة ليؤكد أن العلاقات المصرية السعودية تمثل واحدة من أهم ركائز الاستقرار العربي وأن التنسيق بين البلدين أصبح ضرورة في مواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة
فالمشهد لم يكن مجرد مصافحة أو لقاء بروتوكولي وإنما كان تعبيرًا عن إرادة سياسية مشتركة لتعزيز التعاون والتنسيق في ملفات عربية وإقليمية شديدة التعقيد
وفي أوقات الرخاء قد تتعدد الحديث عن الأدوار والنفوذ لكن أوقات الأزمات تكشف بوضوح حجم الدول ومكانتها وقدرتها على التأثير
ومصر لا تطلب لنفسها دورًا في المنطقة وإنما يفرض تاريخها وموقعها وثقلها السياسي والاستراتيجي حضورها عندما تدخل المنطقة في أزمات كبرى
إن القاهرة والرياض أمام مسؤولية تاريخية مشتركة لحماية الأمن العربي ودعم استقرار المنطقة والتعامل مع أزماتها بعقل الدولة وقوة القرار ووحدة الموقف
تحيا مصر وتحيا المملكة العربية السعودية وتحيا الأمة العربية



