مقالات الرأي
جاثوم الطغيان هادم البنيان :

جاثوم الطغيان هادم البنيان :
كتب سمير ألحيان إبن الحسين
الجاثوم هو ذلك الكابوس، أو ما يُعرف طبيًّا بـ«شلل النوم»، حيث يستيقظ الإنسان وهو يشعر بثقلٍ جاثم على صدره، وضيقٍ يخنق أنفاسه، وعجزٍ عن الحركة أو الكلام، مع بقاء وعيه حاضرًا. إنها لحظة يتعايش فيها المرء مع الإحساس بالاختناق دون أن يمتلك القدرة على مقاومته.
ومن هذا المعنى تنبثق استعارة «جاثوم الطغيان». فكما يجثم الجاثوم على الجسد فيشلّ حركته، قد تجثم أنماطٌ من الاستبداد والهيمنة على الأمم، فتُقيد إرادتها، وتُحاصر مواردها، وتُضعف قدرتها على النهوض واتخاذ القرار المستقل. إنها صورة رمزية لحالة يشعر فيها مجتمع أو دولة بأن حركتهما أصبحت مقيدة بقيود سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، حتى يبدو التحرر منها مهمة شاقة وطويلة.
لقد طالما قيل لنا إن العالم تحكمه العدالة، وإن القانون الدولي هو المرجع الأعلى، وإن الشرعية والقيم الإنسانية هي الميزان الذي تُوزن به المواقف والقرارات. غير أن واقع العلاقات الدولية، في نظر كثير من المراقبين والمفكرين، يكشف أن موازين القوة والمصالح كثيرًا ما تؤثر في كيفية تطبيق تلك المبادئ، فتُرفع شعارات الأخلاق حين تخدم المصالح، وتُهمَّش عندما تتعارض معها.
ولذلك يبدو المشهد، في أحيان كثيرة، وكأن الأقنعة قد سقطت، لا لأن الشر قد انتصر بالضرورة، بل لأن لغة التبرير أصبحت أقل حضورًا، ولأن المصالح تُعلن عن نفسها بقدرٍ أكبر من الصراحة.
فالسيادة، التي يُفترض أن تكون حقًا أصيلًا لكل دولة، تبدو أحيانًا وكأنها تخضع لموازين النفوذ والقدرة؛ تُحترم في سياقات، وتتعرض للضغط أو الانتهاك في سياقات أخرى، بحسب تعقيدات الواقع السياسي الدولي.
ولم تعد الحروب، كما عرفها التاريخ، هي الصورة الوحيدة للصراع. فالجيوش النظامية، والرايات، والخطوط الأمامية، لم تعد دائمًا الأداة الحاسمة. لقد أفرز العصر أشكالًا جديدة من التنافس والضغط، تعتمد على الاقتصاد، والإعلام، والتكنولوجيا، والعقوبات، وحروب المعلومات، ومحاولات التأثير في الوعي العام، إلى جانب الوسائل العسكرية التقليدية.
إنها، في كثير من الأحيان، معارك تُخاض دون إعلان رسمي، وتمتد دون نهاية واضحة، فيتحول الاستنزاف إلى أداة، ويصبح إنهاك المجتمعات وإرباكها وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، تتعقد صورة الفاعلين داخل المشهد. فالثائر، والمعارض، والسلطة، والجهات الداعمة، جميعهم قد يجدون أنفسهم داخل شبكة متشابكة من المصالح والضغوط، حيث تتداخل الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية، ويصبح من الصعب الفصل بين المبادئ والمصالح.
ومن يخرج عن المسار الذي تفرضه موازين القوة قد يتعرض للعزلة السياسية، أو لحملات التشويه الإعلامي، أو لضغوط متعددة الأشكال، في مشهد يعكس تعقيد العلاقات الدولية أكثر مما يعكس بساطة الصراع بين خيرٍ مطلق وشرٍ مطلق.
حتى الثورات نفسها لم تعد تُقرأ دائمًا بوصفها تعبيرًا خالصًا عن إرادة الشعوب، بل أصبحت، في بعض الحالات، ساحةً تتقاطع فيها مصالح متعددة، ومحاولات للتأثير والتوجيه والاستثمار السياسي.
أما الأنظمة، فلم يعد تغييرها يرتبط بالضرورة بما يجري في الشوارع وحدها، بل كثيرًا ما يتأثر أيضًا بتوازنات القوى، وبالمفاوضات، وبالتحولات الاقتصادية والإقليمية، وبالقرارات التي تُصنع داخل دوائر النفوذ.
ومع تسارع الثورة الرقمية، يلوح في الأفق نمطٌ جديد من الصراعات، حيث تتداخل الخوارزميات، والبيانات، والاقتصاد، والذكاء الاصطناعي، مع أدوات النفوذ التقليدية، فتتخذ المنافسة بين الدول والشركات والمؤسسات أشكالًا أكثر تعقيدًا وأقل ظهورًا.
والدولة التي تعجز عن حماية اقتصادها، وتأمين غذائها، وتطوير طاقتها، وبناء سرديتها الوطنية، تصبح أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الخارجية، وأكثر هشاشة أمام التحولات العالمية.
وفي خضم هذا كله، لا يكون التحدي موجَّهًا إلى الجسد وحده، بل إلى الإنسان نفسه؛ إلى وعيه، وقدرته على التمييز، واستقلالية حكمه على الأحداث. وقد يجد نفسه مدفوعًا إلى التكيف مع واقع لا يقتنع به، أو إلى تبني مواقف لم يخترها بحرية كاملة، طلبًا للاستقرار أو خوفًا من المجهول.
ولعل أخطر ما في هذا المشهد أنه لا يبدو، في نظر كثيرين، مجرد حالة اضطراب عابرة، بل نظامًا معقدًا يتشكل باستمرار، ويعيد إنتاج نفسه بوسائل مختلفة، حتى يغدو كل شيء قابلًا للتفاوض، وكل شيء قابلًا للتسعير… وربما حتى الصراع نفسه
إن النظام الاقتصادي العالمي كثيرًا ما يرفع رايات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كما تُرفع الأقنعة فوق خشبة المسرح؛ لا ليكشف جميع الوجوه، بل ليُبرز وجهًا ويُخفي آخر. فبين المبادئ المعلنة والممارسات الواقعية تبقى مساحة واسعة يشتبك فيها الخطاب الأخلاقي مع حسابات المصالح والنفوذ.
إن أدوات الهيمنة في العصر الحديث لم تعد تقتصر على القوة العسكرية وحدها، بل أصبحت العملة، والأسواق، والديون، والاتفاقيات التجارية، والتكنولوجيا، والعقوبات الاقتصادية، وسائل لا تقل تأثيرًا عن المدافع والطائرات. فحيث كانت الجيوش تحتل الأرض، قد تسعى أدوات الاقتصاد اليوم إلى التأثير في القرار، وإعادة تشكيل الأولويات، وصناعة دوائر جديدة من التبعية.
ولذلك لم يعد النفوذ يُمارس دائمًا عبر الاحتلال المباشر، بل قد يتجلى من خلال العقود، والمؤسسات المالية، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، وآليات التمويل، حتى يصبح مصير كثير من الدول مرتبطًا بشبكات اقتصادية عابرة للحدود يصعب الفكاك من تأثيرها.
ومن هنا تبدو منظومة القوة العالمية أكثر تعقيدًا من الصورة التقليدية للإمبراطوريات القديمة؛ فهي ليست كيانًا واحدًا يمكن اختزاله في دولة بعينها، ولا سلطة مركزية يمكن الإشارة إليها بإصبع الاتهام، بل شبكة واسعة تتقاطع فيها مصالح الحكومات، والمؤسسات المالية، والشركات العابرة للقارات، ومراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي، بحيث تتداخل المصالح وتتوزع المسؤوليات بصورة تجعل مراكز القرار أقل وضوحًا وأكثر تشابكًا.
إنها منظومة تتحرك بمنطق الاقتصاد قبل كل شيء؛ فالأرباح، والاستثمارات، والأسواق، وتدفقات رأس المال، تتحول في كثير من الأحيان إلى عناصر حاكمة في صياغة السياسات والقرارات الدولية، حتى يبدو الاقتصاد شريكًا أساسيًا في رسم خرائط النفوذ المعاصر.
وفي هذا السياق، لا تقتصر الصناعات الإستراتيجية على إنتاج السلع المدنية، بل تمتد إلى الصناعات العسكرية، والتقنيات الأمنية، وشبكات المعلومات، وهي قطاعات ترتبط بها مصالح اقتصادية وسياسية واسعة، وقد تستفيد من استمرار التوترات والصراعات في بعض مناطق العالم، وهو ما تناوله عدد من الباحثين عند حديثهم عن مفهوم «اقتصاد الحرب» أو «المجمّع الصناعي العسكري».
ولهذا، فإن بعض الحروب لا تُقرأ بوصفها مواجهات عسكرية فحسب، بل بوصفها أيضًا نتاجًا لتشابك معقد بين اعتبارات الأمن، والسياسة، والاقتصاد، والمصالح الإستراتيجية، حيث تتعدد الأطراف المؤثرة، وتتداخل الدوافع، وتصبح ساحات الصراع مسرحًا لتنافس يتجاوز حدود الدول المتحاربة نفسها.
وفي مثل هذا المشهد، لا تكون القوة دائمًا فيمن يطلق الرصاصة الأولى، بل قد تكون فيمن يمتلك القدرة على توجيه مسارات الاقتصاد، والتأثير في موازين السياسة، وصناعة السرديات، وإدارة الأزمات، وتحديد إيقاع الأحداث، بينما تبقى الشعوب هي الطرف الأكثر تعرضًا لتحمل كلفة تلك الصراعات.
ومن بعيد، تبدو الشعوب وكأنها تتحرك داخل دوائر من الصراع لا تملك دائمًا رسم حدودها. تتنازعها الأزمات، وتستنزفها الحروب، ويجد الفقراء أنفسهم في مواجهة بعضهم بعضًا، بينما تستمر مؤشرات الأسواق، وأسعار الأسهم، ومعدلات الأرباح في الصعود، وكأن المأساة الإنسانية لا تُقاس بعدد الضحايا، بل بحركة الرساميل.
إن منطق الهيمنة الاقتصادية لا يرتبط بوطنٍ واحد، ولا تحدّه حدود جغرافية بعينها؛ فهو يتحرك حيث تتحرك المصالح، ويبحث عن الموارد أينما وُجدت. لذلك أصبحت الثروات الطبيعية ـ من المعادن النادرة، والنفط، والغاز، والذهب، وغيرها من الموارد الإستراتيجية ـ محورًا دائمًا للتنافس الدولي، ومجالًا تتقاطع فيه اعتبارات الاقتصاد والسياسة والأمن.
ولم تعد السيطرة على الموارد وحدها كافية، بل امتدت المنافسة إلى المعرفة، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والصناعات الدوائية، والابتكار الطبي، باعتبارها جميعًا عناصر أساسية في موازين القوة الحديثة. فالمختبرات، وشركات الأدوية، ومراكز البحث العلمي، تؤدي دورًا بالغ الأهمية في حماية الصحة العامة، لكنها تعمل أيضًا داخل منظومات اقتصادية واستثمارية معقدة، حيث تتداخل الاعتبارات الإنسانية مع منطق السوق والعائد المالي.
ومن هنا يثور سؤال أخلاقي طالما ناقشه الباحثون والمفكرون: إلى أي حد ينبغي أن يبقى الحق في العلاج، والدواء، واللقاحات، خاضعًا لاعتبارات الربح التجاري؟ وأين ينتهي الاستثمار المشروع، وأين تبدأ المسؤولية الإنسانية تجاه الشعوب، خصوصًا في أوقات الجوائح والأزمات الصحية العالمية؟
لقد كشفت الأوبئة الكبرى أن الأزمات الصحية ليست مجرد تحديات طبية، بل هي أيضًا اختبارات أخلاقية وسياسية واقتصادية، تُظهر حجم التفاوت بين الدول في القدرة على الوصول إلى العلاج، وتكشف كيف يمكن أن تتحول بعض الأزمات إلى فرص اقتصادية لشركات وقطاعات بعينها، في الوقت الذي تدفع فيه المجتمعات الضعيفة الثمن الأكبر.
وهكذا لا يصبح المرض، في هذا السياق، قضية صحية فحسب، بل يدخل ضمن شبكة أوسع من المصالح والسياسات والاقتصاد، حيث تتداخل اعتبارات الأمن الصحي مع حسابات السوق، ويظل الإنسان، في كثير من الأحيان، هو الحلقة الأضعف في معادلة تتنازعها القوة والربح والاحتياج
ولأن هذه المنظومات لا تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع، ولا من التفويض الشعبي، فهي لا تحتاج إلى جماهير تهتف باسمها، ولا إلى ساحات تمتلئ بالمؤيدين لها. إن مصدر قوتها يكمن في شيء آخر؛ في قدرتها على التأثير في الشروط التي تقوم عليها الحياة اليومية للإنسان.
فكلما ازدادت السيطرة على الموارد الأساسية، ازداد النفوذ على القرار السياسي والاقتصادي. فالماء، والغذاء، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والتقنيات الحيوية، لم تعد مجرد احتياجات معيشية، بل أصبحت عناصر إستراتيجية تتنافس عليها الدول والشركات والمؤسسات الكبرى، لأنها تمثل مفاتيح التأثير في حاضر الشعوب ومستقبلها.
ومن هنا تبرز إشكالية أخلاقية وسياسية معقدة: ماذا يحدث عندما تتحول الضرورات التي لا غنى عنها إلى سلع تخضع بالكامل لمنطق السوق؟ وعندما يصبح الحصول على الماء، أو الغذاء، أو الدواء، أو مصادر الطاقة، مرتبطًا بقدرة الأفراد والدول على الدفع، أو بشروط تفرضها موازين القوة الاقتصادية؟
لقد أفرزت العولمة الاقتصادية فرصًا واسعة للتنمية والابتكار، لكنها أفرزت كذلك أشكالًا جديدة من التركز الاقتصادي، حيث تتزايد هيمنة عدد محدود من الفاعلين على قطاعات حيوية، بما يثير نقاشًا متواصلًا حول حدود المنافسة الحقيقية، ومدى قدرة الأسواق على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
ففي الخطاب تُرفع شعارات السوق الحرة والتنافس المفتوح، غير أن الواقع يكشف أحيانًا عن درجات متفاوتة من الاحتكار، وتركيز الثروة، والنفوذ المالي، والسيطرة على التقنيات والموارد الإستراتيجية، الأمر الذي يجعل المنافسة أقل تكافؤًا، ويمنح أصحاب النفوذ قدرة أكبر على التأثير في اتجاهات الاقتصاد العالمي.
وعندما تتجمع عناصر القوة الاقتصادية في أيدٍ قليلة، لا يقتصر أثرها على حركة الأسواق وحدها، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للإنسان؛ إلى غذائه، ودوائه، وفرص عمله، ومستوى معيشته، بل وحتى إلى قدرة الدول نفسها على اتخاذ قراراتها باستقلالية.
وهنا تتجلى أخطر صور «جاثوم الطغيان»؛ إذ لا يقوم على الإكراه المباشر وحده، بل على التحكم في مقومات الحياة ذاتها، حتى يغدو البقاء الكريم، بالنسبة إلى كثير من الأفراد والمجتمعات، رهينًا بميزان المصالح الاقتصادية، وبقدرة الإنسان على التكيف مع نظام لا يملك دائمًا المشاركة في صياغة قواعده
وحين تتجاوز المصالح حدود الجغرافيا، تصبح الهويات نفسها قابلة للتوظيف. فلا تعود القومية، أو الدين، أو الانتماء الثقافي، مجرد روابط تجمع الناس، بل قد تتحول ـ في بعض السياقات السياسية والإعلامية ـ إلى أدوات تُستثمر في الصراع، وتُستدعى أو تُهمَّش بحسب ما تقتضيه موازين النفوذ والمصلحة.
فكم من خطابٍ ديني استُحضر حين خدم مشروعًا سياسيًا، ثم أُبعد عندما تغيرت الحسابات. وكم من هوية قومية جرى تضخيمها لإشعال النزاعات، أو إضعافها عندما أصبحت عائقًا أمام مشاريع أخرى. وهكذا يغدو المقدس، في بعض الممارسات، وسيلة للتعبئة، وتتحول الهوية إلى ورقة تفاوض، بدل أن تبقى قيمة إنسانية وثقافية تحفظ كرامة الإنسان وانتماءه.
وفي قلب هذه المنظومة، لا يكون أصحاب القرار دائمًا هم أول من يقفون في ساحات القتال، ولا أول من يدفعون ثمن الحروب. فكثيرًا ما تُدار الصراعات من مكاتب السياسة، وغرف التفاوض، ومراكز التخطيط، بينما يتحمل الجنود والمدنيون، في الميدان، العبء الأكبر من الخسائر الإنسانية والمادية.
ولذلك فإن المسؤولية عن الحروب والأزمات لا تقع، في كثير من الأحيان، على من يحمل السلاح وحده، بل تمتد إلى كل من يسهم في صناعة القرار، أو تغذية النزاع، أو إدامة أسبابه، أو تحقيق المكاسب من استمراره، سواء أكان ذلك بدافع سياسي، أم اقتصادي، أم إستراتيجي.
وهكذا يبدو «جاثوم الطغيان» أقل ارتباطًا براية محددة أو بشعار معلن، وأكثر ارتباطًا بمنظومات معقدة من النفوذ والمصالح، يصعب أحيانًا تحديد حدودها أو مراكزها بدقة. إنها منظومات لا تقوم على الإكراه العسكري وحده، بل على القدرة على توجيه الاقتصاد، والتأثير في الإعلام، وإدارة المعرفة، وصياغة السرديات، والتحكم في الموارد التي تقوم عليها حياة المجتمعات.
وعندما يصبح الإنسان محتاجًا إلى منظومة لا يملك التأثير في قواعدها، أو عاجزًا عن الوصول إلى ضروريات حياته إلا عبر شروط تفرضها موازين القوة، فإن السيطرة لا تعود مجرد احتلال للأرض، بل تتحول إلى نفوذ يمتد إلى القرار، والوعي، والاقتصاد، وإلى تفاصيل الحياة اليومية نفسها. وهناك يبلغ «جاثوم الطغيان» ذروة تأثيره؛ إذ لا يقيد الأجساد وحدها، بل يحاول أن يجعل الحاجة نفسها أداةً من أدوات الهيمنة
وهنا تبرز، في نظر كثير من المراقبين، قاعدة غير مكتوبة تحكم جانبًا من توازنات القوة في عالم السياسة: فكل من يحاول تجاوز الحدود التي ترسمها موازين النفوذ، أو يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة بدل الاكتفاء بالتكيف معها، يجد نفسه في مواجهة منظومة مقاومة شديدة التعقيد.
فالصراع لا يُحسم دائمًا في ميادين القتال، ولا تُدار المواجهات كلها بالسلاح. فكثيرًا ما تبدأ المعركة بالعزل السياسي، ثم تتدرج إلى حملات التشويه الإعلامي، والضغوط الاقتصادية، والعقوبات، والملاحقات القانونية، ومحاولات تقويض الشرعية، حتى يصبح المستهدف محاصرًا من كل اتجاه.
وقد تختلف الوسائل باختلاف الزمان والمكان، لكن الهدف يظل واحدًا: إضعاف القدرة على الاستمرار، وتجريد الخصم من مصادر قوته، وعزله عن محيطه، حتى يفقد تأثيره في الرأي العام، أو يصبح وجوده السياسي عبئًا على من يلتفون حوله.
ولذلك فإن كثيرًا من الشخصيات، والحركات، وحتى الدول، لا تواجه التحدي في ساحة واحدة، بل في جبهات متعددة تتداخل فيها السياسة، والإعلام، والاقتصاد، والقانون، والدبلوماسية، فتتحول المواجهة إلى عملية استنزاف طويلة، تُستهدف فيها السمعة كما تُستهدف المؤسسات، ويصبح الرأي العام نفسه ساحة من ساحات الصراع.
إن منطق الهيمنة لا يكتفي بإسكات الصوت المختلف، بل يسعى ـ في بعض الأحيان ـ إلى إعادة تشكيل صورته في أذهان الناس؛ فإذا تعذر إسقاط الفكرة، جرى الطعن في صاحبها، وإذا تعذر إقصاؤه بالقوة، استُخدمت أدوات أخرى لإضعاف حضوره وتأثيره. وهكذا لا يكون المقصود مجرد هزيمة خصم بعينه، بل إرسال رسالة أوسع مفادها أن الخروج على موازين القوة القائمة قد تكون له كلفة باهظة.
وهنا تتجلى إحدى أخطر سمات «جاثوم الطغيان»؛ فهو لا يكتفي بفرض السيطرة، بل يعمل على صناعة الخوف من مجرد التفكير في تجاوز حدوده، حتى يتحول الامتثال، مع مرور الزمن، من خيار تفرضه الظروف إلى سلوك يبدو في نظر كثيرين وكأنه الطريق الوحيد الممكن
وفي كثير من الأحيان، لا يكون الخلاف مع بعض الأنظمة أو القادة نابعًا فقط من طبيعة أنظمتهم السياسية، ولا من سجلهم الداخلي وحده، بل قد يتداخل مع شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية، والتحالفات الدولية، والاعتبارات الجيوسياسية.
ففي عالم تحكمه موازين القوى، قد يصبح الخروج عن بعض السياسات الاقتصادية السائدة، أو السعي إلى إعادة توزيع النفوذ والثروة، أو محاولة تقليص التبعية للخارج، سببًا في توترات وضغوط تتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي.
وعندما يحاول طرف ما إعادة صياغة قواعد العلاقة الاقتصادية، أو استعادة قدر أكبر من السيطرة على موارده الإستراتيجية، أو مراجعة الاتفاقيات التي يراها مجحفة، فإنه قد يجد نفسه في مواجهة مقاومة شديدة من أطراف ترى في تلك التحولات تهديدًا لمصالحها أو لتوازنات قائمة منذ زمن.
ومن هنا تتجلى إحدى المفارقات التي كثيرًا ما يثيرها النقاش السياسي المعاصر؛ فالمبادئ الكبرى، كالحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، تمثل قيمًا إنسانية نبيلة في ذاتها، غير أن طريقة توظيفها في العلاقات الدولية تثير، في أحيان كثيرة، تساؤلات حول مدى اتساق تطبيقها، وحول ما إذا كانت المعايير تُطبَّق بالقدر نفسه على جميع الدول والفاعلين.
ولذلك يذهب عدد من الباحثين إلى أن الخطاب الحقوقي والسياسي قد يُستخدم أحيانًا بوصفه أداة للضغط الدبلوماسي أو الاقتصادي، في الوقت الذي تُغض فيه الأطراف نفسها الطرف عن انتهاكات مشابهة عندما تقتضي المصالح أو التحالفات ذلك. وهنا لا يكون الإشكال في القيم ذاتها، بل في الانتقائية التي قد تحكم ممارستها وتطبيقها.
وهكذا تبدو الحرية موضع ترحيب ما دامت لا تدخل في صدام مع موازين النفوذ، وتبدو الديمقراطية أكثر قبولًا ما دامت لا تُحدث تحولات جذرية في المصالح القائمة، وتُرفع راية حقوق الإنسان بوصفها قيمة عالمية، لكنها قد تُستدعى بدرجات متفاوتة تبعًا للسياقات السياسية والاقتصادية.
ومن هنا يكتسب «جاثوم الطغيان» بُعدًا أكثر تعقيدًا؛ فهو لا يقوم على رفض المبادئ السامية، بل على الخشية من أن تتحول هذه المبادئ، عندما تُنتزع من حيادها، إلى أدوات في صراع المصالح، فتفقد شيئًا من رسالتها الأخلاقية، ويصبح تطبيقها مرهونًا بميزان القوة أكثر من ارتباطه بميزان العدالة
وقد يبدو هذا المشهد، للوهلة الأولى، وكأنه ثمرة مؤامرة محكمة تُدار في الخفاء. غير أن قراءة أكثر هدوءًا تُظهر أن ما يجري يمكن فهمه أيضًا بوصفه نتاجًا لمنطقٍ بنيوي تحكمه المصالح، وتعيد إنتاجه توازنات القوة، حتى دون حاجة إلى إرادة مركزية واحدة تدير جميع التفاصيل.
إنها منظومة تكافئ من ينسجم مع قواعدها، وتقاوم من يحاول إعادة صياغتها. فلا يكون معيار القبول أو الرفض دائمًا مرتبطًا بالاعتبارات الأخلاقية وحدها، بل يتداخل مع حسابات النفوذ، والاقتصاد، والتحالفات، وموازين القوة التي تشكل بنية النظام الدولي.
ولهذا، لا تبدو جميع ردود الأفعال تجاه الأنظمة أو القيادات متشابهة؛ فقد تُغض بعض القوى الدولية الطرف عن تجاوزات خطيرة في حالات معينة، بينما تتخذ مواقف حازمة في حالات أخرى. وهذه المفارقة دفعت كثيرًا من الباحثين إلى التساؤل: هل تحكم العلاقات الدولية منظومة قيم ثابتة، أم أن تطبيق تلك القيم يتأثر، في كثير من الأحيان، باعتبارات المصالح الإستراتيجية؟
ومن هذا المنظور، لا يكون الخلاف مع بعض الفاعلين لأنهم وحدهم أخطأوا، ولا لأن غيرهم لم يخطئ، بل لأنهم دخلوا في مسار تصادمت فيه خياراتهم مع موازين النفوذ أو مع المصالح التي يقوم عليها النظام القائم. وهنا تتشابك الاعتبارات الأخلاقية والسياسية والاقتصادية، بحيث يصبح من الصعب الفصل بينها.
إن منطق القوة لا يعمل دائمًا بمنطق الثواب والعقاب الأخلاقي، بل كثيرًا ما يعمل بمنطق الحفاظ على التوازنات القائمة. ومن ثم فإن من يحاول تغيير قواعد اللعبة، لا الاكتفاء بالتحرك داخلها، قد يواجه مقاومة أشد من تلك التي يواجهها من يكتفي بالتكيف مع الواقع، حتى وإن اختلفت الوسائل والأدوات من حالة إلى أخرى.
وهكذا تتجسد صورة «جاثوم الطغيان» في أعمق معانيها؛ فهو ليس مجرد سلطة تُمارس القهر، بل منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، واستيعاب من يقبل بشروطها، ومقاومة من يسعى إلى تغيير بنيتها. ومن هنا لا يصبح السؤال الحقيقي: من يحكم؟ بل: ما القواعد التي تحكم عملية الحكم نفسها؟ ومن يملك القدرة على صياغتها، أو تعديلها، أو حمايتها؟
إنها أسئلة لا تقدم إجابات سهلة، لكنها تفتح الباب أمام تأمل أعمق في طبيعة القوة، وحدود العدالة، والعلاقة المعقدة بين المبادئ والمصالح في عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والحقائق بالروايات، والقيم بحسابات النفوذ
وهكذا يتبين أن «جاثوم الطغيان» ليس مجرد صورة بلاغية، ولا استعارة أدبية عابرة، بل رمزٌ لكل منظومة من الهيمنة تستطيع أن تُقيد إرادة الإنسان، وتُثقل كاهل الشعوب، وتُحاصر خيارات الدول، سواء تجلت في استبدادٍ سياسي، أو تبعيةٍ اقتصادية، أو احتكارٍ للمعرفة، أو توظيفٍ انتقائي لموازين القوة.
إن أخطر ما في هذا الجاثوم أنه لا يكتفي بخنق الأجساد، بل يسعى إلى خنق الوعي نفسه؛ فلا يجعل الإنسان أسير القيود فحسب، بل يجعله يعتادها، ويُسلم بها، ويظن أن لا سبيل إلى غيرها. وحين تبلغ الهيمنة هذه المرحلة، يصبح التحرر معركةً تبدأ من استعادة القدرة على التفكير، قبل أن تكون استعادةً للأرض أو للثروة أو للقرار.
غير أن التاريخ يعلمنا أيضًا أن الطغيان، مهما بدا متماسكًا، ليس قدرًا أبديًا. فما من منظومة بلغت من القوة مبلغًا إلا ظنت أنها خالدة، ثم جاء عليها يوم تبدلت فيه الموازين، لأن سنن التاريخ لا تعرف الثبات المطلق، ولأن إرادة الإنسان، حين تقترن بالوعي والعمل والصبر، قادرة على فتح منافذ للنور حتى في أشد لحظات العتمة.
ولذلك، فإن مقاومة «جاثوم الطغيان» لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بالغضب العابر، وإنما ببناء الإنسان الحر، وترسيخ المعرفة، وتعزيز العدالة، واستقلال الإرادة، وصيانة الكرامة، وبناء مؤسسات قوية تجعل الأوطان أقل قابليةً للاستلاب وأكثر قدرةً على حماية قرارها ومقدراتها.
إن الجاثوم، مهما اشتد ضغطه، لا يستطيع أن يمنع الفجر من الإشراق، وإنما يؤخر لحظة اليقظة. أما النهضة الحقيقية، فلا تبدأ حين يسقط الجاثوم، بل حين تستيقظ العقول التي رفضت أن تستسلم له، وآمنت بأن الحرية مسؤولية، وأن الكرامة تُنتزع بالوعي والعمل، لا بالانتظار.



