مقالات الرأي

التطبيع اللغوي للكلمات البذيئة

التعود على الكلمات البذيئة

التطبيع اللغوي للكلمات البذيئة
بقلم خالد البنا
كان المصري القديم يا سادتي إذا غضب، صمت.
وكان العربي إذا احتدم، اختار من اللغة أفصحها، حتى في الهجاء.أما نحن، أبناء القرن الذي اخترع التريند، فقد بلغنا من الرقي الحضاري أن أصبح قاموس السباب هو اللغة الرسمية غير المعلنة للشوارع، والمقاهي، والمدارس، بل وللبيوت أحيانًا
ولم تعد الكلمة البذيئة تُقال همسًا خجلًا… بل تُقال ضاحكة، راقصة، تتقافز فوق ألسنة الأطفال كما تتقافز الكرة في أقدام الصبية.
لقد دخلنا دون أن نشعر عصرًا خطيرًا يمكن أن نسميه التطبيع اللغوي مع القبح
فالكارثة الكبرى لا تبدأ حين تُقال الكلمة السوقية لأول مرة…
بل حين لا يعود أحد يشعر بأنها سوقية أصلًا.

1. من الشتيمة إلى الإفيه
كانت الأم قديمًا إذا سمعت ابنها ينطق بلفظ خارج، غسلَت فمه بالصابون، لا لأن الكلمة تهز السماء، بل لأنها كانت تعرف أن اللغة ليست مجرد أصوات… اللغة تربية.
أما اليوم، فقد أصبحت الألفاظ الجارحة مادة للضحك الجماعي. في الأفلام، ومقاطع الفيديو القصيرة،وبرامج الهزار الثقيل وحتى ألعاب الأطفال الإلكترونية،
يُقذف السباب على الأذن كما يُقذف الفشار في دور السينما.فيضحك الناس…ثم يعتادون…
ثم يكررون…ثم يفاجأ المجتمع بعد سنوات أن الطفل المهذب صار شابًا لا يستطيع تركيب جملة واحدة دون أن يربطها بلفظ مبتذل.
أخطر ما في المسألةأن الإنسان كائن يتعوّد.
الروح البشرية لا تصدمها الرذيلة إذا تكررت… بل تألفها.ولهذا فإن أخطر ما يفعله الإعلام الرديء ليس نشر الشتيمة فقط، بل قتل الإحساس بأنها شتيمة.وهنا تقع الجريمة الثقافية الكبرى.
فاللغة ليست كلمات عابرة، بل هي مرآة العقل،
ومستوى الذوق، وسقف الأخلاق.والمجتمع الذي يبتذل لغته، يبتذل روحه بالتدريج.

2. المدرسة المهزومة
ثم نأتي بعد ذلك ونسأل لماذا تغيرت أخلاق التلاميذ وكأن المدرسة تستطيع أن تنتصر على
الهاتف،والسوشيال ميديا، والشارع،
والمحتوى الرخيص الذي يدخل كل بيت بلا استئذان.كيف يشرح المدرس قصيدة لأحمد شوقي أو نصًا لطه حسين
بينما الطالب يقضي خمس ساعات يوميًا يستمع إلى لغة أقرب إلى مشاجرات الأسواق منها إلى لغة البشر لقد أصبح التلميذ يحفظ ألفاظ الانحطاط أسرع مما يحفظ جدول الضرب.

3. تيك توك جمهورية الشتيمة الكبرى
لم يعد المطلوب اليوم من صانع المحتوى أن يكون مثقفًا،أو موهوبًا،أو صاحب فكرة.
بل يكفي أن يصرخ،ويشتم،ويتصرف كأن الحضارة الإنسانية انتهت عند الإفيه الخارج
وكلما انحدرت اللغة ارتفعت المشاهدات!
إنها معادلة مخيفةفالسوق يكافئ الابتذال.

4.الكلمة ليست بريئة
هناك من يقول ببساطة مجرد ألفاظ.. لا يا سيدي الكلمة ليست مجرد هواء يهتز في الفم.
الكلمة تبني ذوقًا،وتصنع وعيًا، وتحدد شكل العلاقة بين البشر.وعندما تصبح الإهانة أسلوب كلام يومي، يتحول العنف اللفظي بالتدريج إلى
عنف نفسي،ثم اجتماعي،ثم أخلاقي.

5. ماذا يحدث للمجتمع
حين تتطبع الأذن مع القبح:يضعف الحياء،
وتموت الرقة،ويتحول الاحترام إلى سذاجة.
ويصبح الإنسان المؤدب غريبًا وسط ضجيج الوقاحة العامة.وهذه أخطر مراحل الانحدار:
حين يبدو الأدب نفسه شيئًا قديمًا مثيرًا للسخرية.

  1. كلمة أخيرة
    إن معركة اللغة ليست معركة نحوٍ وصرف…
    بل معركة روح.فالأمم لا تسقط فقط بالهزائم العسكرية… بل حين ينهار ذوقها العام، وتفقد كلماتها نظافتها، ويصبح القبح مألوفًا كضوء النهار.وحينها… لا تعود الشتيمة كلمة خارجة عن المجتمع…بل تصبح المجتمع نفسه.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى