تقارب استراتيجى وصفقة من العيار الثقيل.. مصر والجزائر على طريق تحالف الطاقة

تقارب استراتيجى وصفقة من العيار الثقيل.. مصر والجزائر على طريق تحالف الطاقة
كتب/ أيمن بحر
تتحرك مصر على الصعيد الدولى بمهارة فائقة لاقتناص الفرص وخدمة رؤيتها الشاملة للتحرر من ضغوط سوق الطاقة من خلال تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مورد واحد فى مجال النفط خاصة بعد أزمة الحرب الإيرانية وتعقيدات أزمة الخليج العربى حيث أن تداعيات مشكلة مضيق هرمز و استهداف منشآت النفط فى دول الخليج من المرجح أن تستمر آثارها لفترات مقبلة حتى بعد نهاية الحرب الحالية.
من هنا تحركت مصر نحو عمق نفوذها المغاربى بين ليبيا والجزائر لتأمين مصادر بديلة للبترول وعشان كده تعتبر التعاقدات الأخيرة مع ليبيا ثم الجزائر للتعاون فى مجال البترول خطوة كبيرة يبنى عليها الكثير من التوجهات والتعاون المهم اقتصادياً فى مجالات متعددة.
وبعد الإعلان الرسمي عن أول صفقة رسمية كبيرة للبترول الجزائري المصدر إلى مصر، مع مشاورات لاستكشاف فرص توريد عدد من شحنات الغاز المسال لمصر اللي بتعتبر مركز إقليمى عالمى لتصدير الغاز المسال للعالم.
نقدر نستنتج نقاط مهمة جدا فى الصفقة الثقيلة بين مصر والجزائر خاصة أن الاهتمام بإتمام الصفقة جاء من أعلى المستويات فى البلدين لأنها تخدم توجهات تعاون استراتيجى شامل يعنى أكبر من مجرد توريد بترول وغاز فقط.
بالتالى توقيع الهيئة المصرية العامة للبترول وشركة النفط والغاز الجزائرية سوناطراك مذكرة تفاهم تمهيدًا لإبرام اتفاق تصدير النفط الخام إلى مصر فى صفقة ستكون الأولى من هذا النوع خطوة كبيرة ستمهد لتشاور فى صفقات متتالية مع بدء التصدير للبترول من الجزائر إلى مصر خلال الربعين الثالث أو الرابع من العام الجارى.
تفاصيل صفقة الجزائر ومصر لتصدير النفط الخام تشمل توريد ما بين 1.5 إلى مليونى برميل نفط شهريًا على شحنتين.
وعلى الرغم من أن واردات مصر من النفط الجزائرى تاريخيا كانت ضعيفة، خاصةً فى ظل اعتماد القاهرة على وارداتها من دول الخليج (السعودية والكويت تحديدًا) إلا أن التحول الجديد يحكم العالم مع التأثر بالحرب الإيرانية، وبحث مصر عن قدرات بديلة فى مجال الطاقة حرك القاهرة للاستيراد من ليبيا والجزائر وغيرهم.
وعلى الرغم من أنه سبق استيراد 4 شحنات من النفط الجزائرى فى فترات متباعده منذ 2013 إلا أن التعاقد والتعاون الجديد هو الأكبر من نوعه كتحول إستراتيجى لصفقات كبيرة وتوريد أكثر استقراراً.
فكما تحتاج مصر لتنويع مصادر الطاقة واستيراد النفط من عدة دول لتعوض نقص إمداد الطاقة، تحتاج الجزائر إلى قوة العلاقات مع مصر بثقلها الإقليمي والدولى وتحتاج لبيع النفط والغاز كأحد أكبر منتجين الطاقة وتحتاج للسوق المصرى الضخم كمشترى للطاقة بالإضافة إلى احتياج الجزائر للخبرات المصرية في مجال الاستكشاف والتعاون الإقليمى والدولى للتصدير عبر مصر للعالم.
ولأن الصفقة أكبر من مجرد استيراد شحنات نفط، فقد تضمنت الزيارة الأخيرة لوزير البترول المصرى كريم بدوى فى 5 مايو توقيع عقد بين شركة بتروجيت المصرية والجزائر لصالح تطوير المرحلة الثانية من حقل حاسى بير ركايز الجزائري باستثمارات 1.1 مليار دولار.
مع إنشاء مصر لوحدة معالجة مركزية جديدة للنفط الخام فى الجزائر بطاقة تصل إلى 31.5 ألف برميل يوميًا إلى جانب مرافق لمعالجة الغاز المصاحب وسيتم تنفيذ المشروع عبر مدى زمنى يصل إلى 39 شهرًا، نظرًا لحجم الاستثمارات الكبيرة والتحديات الفنية المرتبطة بتطوير الحقول البرية فى المناطق الصحراوية.
وعلى الرغم من انتقاد البعض لمستوى النفط الجزائرى مقارنة بجودة النفط الخليجى فالحقيقية أن النفط الجزائرى يصنف عالمياً ضمن أجود أنواع النفط ومطلوب أوروبياً لكنه يختلف عن معظم نفط الخليج من حيث الخصائص الكيميائية وسهولة التكرير، ونظراً لاعتماد مصر لسنوات على طرق ومعامل تكرير مجهزة للنفط الخليجي الثقيل ستضطر لتغيير ذلك معملياً وفنياً لاستيعاب نوع نفط خفيف مختلف عن الخليجى زى النفط الليبى والجزائرى المختلفين فى درجتي الكثافة والحموضة مقارنة مع الخليجى اللى بيعتبروا خام خفيف جداً من مزيج نفط الصحراء..
لكن هنا لازم نتكلم عن كون مصر مضطرة للتعامل مع المتغيرات وظروف الأزمة العالمية فى الطاقة من جهة وكمان فى ميزة تنافسية لتعدد مصادر النفط والغاز تكيف القدرات المصرية على التنوع والبنية التحتية للتعامل مع أنواع النفط والغاز مهمة جدا ومافيش منها ضرر على الإطلاق فالتعامل مع طرق تكرير مختلفة إضافة فى البنية الأساسية لمجال الطاقة فى مصر واختلاف أنواع البترول أهون من نقص إمداد الطاقة!
بالإضافة إلى أن النفط الجزائرى فيه ميزة تخص سهولة التكرير بسبب خفته مما يسهل تحويله إلى منتجات عالية القيمة زي البنزين ووقود الطائرات (الكيروسين) بتكلفة أقل.
أما الميزة الأكبر فهى قرب ليبيا والجزائر من مصر مما يعظم التعاون الشامل فى مجالات حيوية تصنع التكامل الاقتصادى بين بلاد شمال أفريقيا لمستقبل أفضل.
أخيرا تساعد الصفقات الجديدة من مصر مع ليبيا والجزائر على تنويع مصادر استيراد الطاقة خاصة البوتاجاز والمواد البترولية وده يقلل من الاعتماد على سوق واحد ويضمن تلبية احتياجات السوق المحلى خاصة فى فترات ذروة الاستهلاك، ويخدم النفوذ السياسى والاقتصادى فى التعاون بين الدول المعنية.
بجانب خدمة الاتفاقيات التعاونية بين الحكومات على التوصل لآليات سداد وتسهيلات ائتمانية تخفف من الضغط على العملة الصعبة وتدعم الاستقرار الاقتصادى بين البلاد المتعاونة فى نطاق جغرافي متقارب مع سهولة الشحن والخدمات اللوجستية والتأمين، اللى بيضمن استقرار تدفق الطاقة وسط الأزمات العالمية فى مناطق أخرى مشتعلة بصراعات، ودي نقطة مهمة جدا لسبب التعاون رغم فروق السعر والجودة لأن الاستمرارية والقرب الجغرافى مع التأمين فى الإمداد وتسهيل طرق الدفع بيساعد على صمود الاقتصادات الوطنية فى مصر و الجزائر كمثال فى مواجهة تقلبات أسعار النفط العالمية.




