بين أطلال النصيرات ومرارة الفقد في مصر: “محمد سويدان”.. طائر الباركور الذي كسرته النكبات ولم ينكسر
شاهد هنا حركات باركور علي بحر غزة
بقلم صديقك: محمد عقيل
جريدة زون نيوز جلوبل

حين وُلد صديقي الشاب محمد ماهر سويدان في العشرين من يوليو لعام 2008، لم يكن يدري أن تاريخ ميلاده سيكون إعلاناً لوصول محارب صغير إلى ساحة معركة مفتوحة. فعمر محمد هو عمر الأزمات المتعاقبة على غزة؛ عاصر حروب 2012، 2014، 2021، و2023، وكأن الطفولة في قاموسه وُلدت على إيقاع الانفجارات وصفارات الإنذار. وسط دوي القصف وتقطيع أواصر التعليم بين جولات الموت وحظر كورونا، وُلدت أحلامه كشعلة مقاومة لا تنطفئ.
من أزقة غزة إلى تحليق الباركور.. شغف يتحدى الحصار
لم تكن شوارع غزة بالنسبة لمحمد مجرد طرقات، بل كانت مسارح لاكتشاف الشجاعة. فمنذ سن الحادية عشرة، وفي عام 2019، انطلق محمد يمارس رياضة الجمباز والباركور تحت إشراف مدربه الراحل الكابتن محمود الحواجري (رحمه الله). كان يقفز فوق الحواجز، متحدياً الخطر، وكأنه يتدرب مبكراً على القفز فوق عقبات قاسية تخبئها له الأقدار. وكانت والدته، رحمها الله، هي القلب النابض خلف كل خطوة، والداعم الأبدي الذي يزرع فيه اليقين والقوة.
شاهد من هنا محمد واصحابه يلعبون باركور علي بحر غزة
شاهد من هنا حركات باركور في مدينة القاهرة
شاهد هنا حركات باركور علي بحر غزة
شاهز من هنا حركات باركور وسط الركام
شاهد من هنا محمد وهو يساعد في سوقيا الماءفي قطاع غزة
النصيرات.. جراح تنزف و”شوادر” تستر الكرامة
مع عاصفة الحرب الأخيرة عام 2023، تجرّعت عائلة محمد كأس النزوح المرير، فارتحلوا قسراً من النصيرات إلى رفح لأشهر كاملة تحت وطأة الرعب والجوع. وفي غزة التي لا ترحم، لم ينجُ منزل العائلة في النصيرات من آلة الدمار، حيث تعرّض لـ ثلاث قصفات عنيفة سوت جزءاً كبيراً منه بالأرض. ولم يجد والده، وسط شح الدمار وانعدام البدائل، سوى قطع “الشوادر” البسيطة ليغطي بها ما تيسر من جدران المنزل المدمرة، ساتراً عائلته التي لا تزال تصارع البقاء هناك بين الأنقاض وتحت رحمة السماء.
رحلة الوجع إلى مصر.. معركة التوجيهي وفراق الحبيبة
في رحلة عنوانها الأمل الممزق بالدموع، غادر محمد غزة رفقة والدته الحبيبة إلى مصر في 7 ديسمبر 2026 لتلقي العلاج من المرض الخبيث (السرطان)، تاركاً خلفه في جحيم غزة والده وأخوته وأختيه.

في أرض الغربة، وبقلب يتقطع خوفاً على أمه وأهله، خاض محمد معركة التعليم الأقسى، حاملاً كتاباً بيد ودمعة بيد، ليحقق نجاحاً مشرفاً في الثانوية العامة (التوجيهي) بمعدل 76.6%، مهدياً إياه إلى من كانت تنتظر رؤيته تاجيّاً على أبواب الجامعة.
ولكن قسوة القدر كانت أسرع؛ فبعد شهر واحد فقط من وصولهما، وفي 8 ديسمبر 2026، تركت الوالدة الحياة، ليرحل سند روحه وتبقى غصّة الفقد تملأ أيامه، ويجد نفسه وحيداً في مصر، بلا أم تضمه ولا عائلة تحيط به.
صرخة أمل في وجه الريح
اليوم، يقف محمد سويدان وحيداً على مفترق طرق قاسٍ؛ يواجه نار الغربة وغلاء التكاليف التعليمية الفادحة في مصر، حاملاً إرثاً ثقيلاً من الذكريات، وروحاً وثّابة كلاعبي الباركور الذين لا يخشون السقوط بل يتعلمون كيف يعاودون التحليق.
إن قصة محمد ليست مجرد رقم في سجلات الحرب، بل هي شهادة حيّة على جيل غزيّ صُنع من فولاذ؛ جيل يقفز فوق الموت، ويتخطى حواجز الفقد، ليثبت للعالم أن من عاش تحت الرماد.. قادر حتماً على صناعة الفجر.
للتوصل من هنا مع محمد




