مرثية الروح المكسورة وعهد الرحيل المفجع
(إلى أخي، وصديقي، وتوأم روحي الشهيد البطل/ محمد محمد طموس – أبو لؤي . من اخيك محمد عقيل )
رحيل الروح وكسرة الظهر
أكتبُ إليك ودُموعي تُعمي بصيرتي، يرتجفُ القلم في يدي وتختنق العبرة في حلقي حتى أوشكتُ على الانهيار.. أقفُ اليوم مذهولاً، مسلوب الإرادة، لا أعرف كيف يُكتب الرثاءُ حين يكون المرثيُّ هو أنت، ولا كيف أتلفّظ بكلمة “رحلت”.
وعدتني يا محمد.. وعدتني بكل صدق أن تنتظرني حينما تُفتح الحدود، وقلت لي سنلتقي ونعوض كل ما فاتنا.. وها هي الحدود لم تُفتح بعد، ولكنك أنت الذي رحلت وتركتني خلفك!

كنتَ لي السند والأمان بعد رحيل صديقنا وحبيبنا مؤمن أبو عوف حينما ارتقى شهيداً.. مسحتَ دموعي، وشددتَ على يدي، ووعدتني ألا تتركني وحيداً.. واليوم تلحق به وتتركني أتلوع بمرارة الفقد مرتين!
في كل مرة كنتَ تعدني فيها بكل رجاء: “سأعتني بنفسي، لا تقلق عليّ”.. ثم فور أن تشتعل النار وتصرخ الأرواح تحت الركام، تنسى وعدك لي، وتنسى حذرك، وتتلقى الخطر بقلبك العاري لتنقذ الناس من وسط الحرائق، حتى أصبحت اليوم الرقم 150 من شهداء الشهامة، متطوعي الدفاع المدني الأبطال!
كسرتَ قلبي يا أخي.. كسرتَ ظهري يا صديقي وأوجعتَ روحي وجعاً لا يُمحى.

كنتُ أركضُ في الطرقات كالمجذوب، ألتفتُ حولي بذهولٍ يقطع الفؤاد، أبحث بين وجوه الناس العابرة عن أيّ أحدٍ يشدّ على كتفي، يزجرني، ليوقظني من هذا الكابوس الذي يطحن عظامي.. كنتُ ألتظي وأبحث عن أحدٍ يربط على قلبي المكتوي ويقول لي بصوتٍ دافئ: “استفق يا أخي، أنت تحلم فقط! محمد ما زال حياً.. ستسمع صوته بعد قليل، وسيعود ليمازحك كما كان!”.
بحثتُ وبحثت، حاولتُ أن أصل لأيّ شخصٍ يُكذّب هذا النبأ ويُطفئ حريق عقلي، لكنني لم أستطع الوصول لأحد.. أدركتُ حينها، وأنا أهوى على ركبتي في العراء، أنني أواجه هذه الحقيقة المُرّة التي تجثم على صدري بمفردي: لقد رحل محمد.. ورحلت معه الحياة.
كيف يمكنني أن أرثيك يا محمد؟ كيف أرثيك وأنت لم تكن مجرد صديق، بل كنتَ روحي التي أتنفس بها؟ كيف يرثي المرءُ روحَه بعدما فارقت جسده؟ إن كنتَ قد مضيتَ واستشهدتَ يا أخي، فأنا بعدك ميّتٌ لا محالة، جسدٌ بلا روح يتنفس الوجع؛ فمن ماتت روحُه، لا يبقى فيه شيءٌ على قيد الحياة. بروحي يا محمد.. بروحي فديتك!

قصة البطل الذي أنقذ العالم ونسي أن يحمي نفسه
في غزة، لم تكن يا أخي تقيس عمرك القصير—الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين—بالسنوات والأيام، بل بحجم الأرواح التي أنقذتها والبسمات التي شيدتها من بين الركام.
-
بزة الدفاع المدني ونداء الدم: اختار قلبك الشجاع الطريق الأكثر رعباً وخطورة. ارتديت بزة الدفاع المدني البرتقالية والبيضاء، وكنتَ أول المقادمين تحت القصف وأزيز الطائرات. لم تكن تهاب الموت؛ تركض وسط الدخان والغبار المشتعل لتسعف جروح المصابين، وتنتشل جثامين الشهداء بيدك الشريفة كي لا تطأها الأقدام، وتنبش الركام بظفرك العاري لتستخرج رفات المفقودين لتستريح قلوب أمهاتهم الثكالى.
-
عين الحقيقة الشاهدة: ولم يكتفِ قلبك النبيل بالإغاثة؛ بل حملتَ عدستك وشغفك الإعلامي بصفتك مراسلاً لصحيفة “زون نيوز”، لتبقي عينك صامدة تنقل الحقيقة، وتوثق أوجاع الناس وبطولات الميدان، فكنتَ تمسك باليد الأولى حبال الإنقاذ، وبالثانية كاميرا التوثيق.
من يسعف المصابين.. إلى الجسد المسجّى
وفياً لعهدك، مقداماً لا تعرف الخوف ولا الخذلان، استمررتَ في الميدان لآخر رمق..

كنتَ تركض بلهفة بين النار والدخان تحاول إسعاف المصابين وتضمد جراحهم، وتنحني بكل حنوّ لتنتشل جثامين الشهداء وتكرّم حرمتهم.. وظللتَ تُصارع الموت من أجل غيرك، حتى باغتتك يد العدوان والغدر؛ طاعنةً جسدك الذي طالما كان ملجأً للمستغيثين!
ركضتَ لتسقيهم الحياة، فأصبحتَ أنت المصاب.. وحملتَ الشهداء على كتفيك، حتى ارتقيتَ وسُجّيتَ جثةً هامدةً مثلهم! رحلتَ وأنت تحتضن واجبتك، لترتقي يا أبا لؤي شهيداً حياً عند ربك، وتلتحق برفقة حبيبنا مؤمن، وتتركني خلفك أصارع هذه الدنيا بكُسرٍ في القلب لا ينجبر، وجرحٍ ينزف في روحي حتى ألقاكم.

رحلتَ يا أبا لؤي وجمعتَ بين شرف الإعلام وشهامة الدفاع المدني، وستبقى روحك حيةً تحوم حولي ما حييت.. سلامٌ لروحك الطاهرة يا توأم روحي، ورحمك الله يا أخي وصديقي وقطعةً من كبدي، وأسكنك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً.
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ




