مقالات الرأي

قرار سعودي من القاهرة ورسائل ثقيلة إلى أسواق الطاقة العالمية

قرار سعودي من القاهرة ورسائل ثقيلة إلى أسواق الطاقة العالمية

 

بقلم أيمن بحر
لم يعد ملف الطاقة مجرد قضية اقتصادية منفصلة عن السياسة والأمن بل أصبح واحدا من أهم أدوات التأثير في موازين القوى العالمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالسعودية ومصر وأمن البحر الأحمر وشرايين التجارة الدولية
الحديث عن خفض محتمل في شحنات النفط السعودية المتجهة إلى بعض الأسواق الأوروبية على خلفية الأضرار التي لحقت بخطوط نقل النفط يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من القلق في أسواق الطاقة العالمية لأن أي اضطراب طويل في إمدادات النفط يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على الأسعار والتضخم وتكاليف النقل والصناعة في مختلف أنحاء العالم
وهنا تبرز أهمية القاهرة باعتبارها واحدة من أهم العواصم العربية في ملفات أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية واستقرار المنطقة
فمصر لا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممرا مائيا فقط وإنما باعتباره جزءا أساسيا من منظومة الأمن القومي العربي وأمن قناة السويس وحركة التجارة العالمية ولذلك فإن أي تطورات أمنية تمس الملاحة أو خطوط إمدادات الطاقة تفرض بطبيعتها مستوى مرتفعا من التنسيق بين القاهرة والرياض والدول المعنية بأمن المنطقة
القاهرة والرياض أمام اختبار استراتيجي
زيارة القيادة السعودية إلى القاهرة في هذا التوقيت تحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة
لكن الأهم هو أن العلاقة المصرية السعودية أصبحت واحدة من أهم ركائز التنسيق العربي في مواجهة الأزمات الإقليمية
فمصر تمتلك موقعا استراتيجيا فريدا على البحر الأحمر وقناة السويس بينما تمتلك السعودية ثقلا هائلا في سوق الطاقة العالمي ولذلك فإن أي تنسيق بين البلدين بشأن أمن الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي يكتسب أهمية تتجاوز حدود البلدين
ومن هنا يمكن فهم الرسائل التي تحملها التحركات السعودية في سوق النفط باعتبارها جزءا من مشهد أوسع تتداخل فيه اعتبارات الطاقة مع أمن الملاحة والسياسة الدولية
النفط ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي
أي انخفاض كبير في إمدادات النفط لا يمكن أن يمر بسهولة على الاقتصادات الكبرى
فأوروبا تعتمد على أسواق الطاقة الخارجية بصورة كبيرة وأي اضطراب في الإمدادات يفرض البحث عن بدائل جديدة ويزيد تكلفة النقل والتأمين ويضغط على أسعار الوقود والطاقة
كما أن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويزيد من الضغوط التضخمية وهو ما يجعل ملف الطاقة واحدا من أخطر الملفات التي تواجه الحكومات الغربية
ومن هنا فإن استمرار الاضطرابات في المنطقة لا يمثل مشكلة إقليمية فقط وإنما يتحول تدريجيا إلى أزمة اقتصادية عالمية
البحر الأحمر في قلب المعادلة
ما يحدث في البحر الأحمر وباب المندب يؤكد مرة أخرى أن أمن الممرات البحرية أصبح جزءا لا يتجزأ من أمن الاقتصاد العالمي
فأي تهديد للملاحة في هذه المنطقة يمكن أن يدفع السفن إلى تغيير مساراتها ويزيد المسافة والتكلفة ويؤثر في حركة التجارة وسلاسل الإمداد
وتزداد أهمية هذا الأمر بالنسبة لمصر التي تمثل قناة السويس بالنسبة إليها شريانا اقتصاديا واستراتيجيا بالغ الأهمية
ولهذا فإن استقرار البحر الأحمر ليس مصلحة مصرية فقط وليس مصلحة سعودية فقط وإنما هو مصلحة عربية ودولية مشتركة
واشنطن وأوروبا أمام حسابات صعبة
الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية تدرك أن استمرار التوترات الأمنية في مناطق إنتاج ونقل الطاقة يضع الاقتصاد العالمي أمام مخاطر متزايدة
فارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل والطاقة وهو ما قد ينعكس في النهاية على المواطن داخل الولايات المتحدة والدول الأوروبية
ولهذا فإن الضغوط الدولية من أجل احتواء التصعيد وحماية خطوط الملاحة وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة لن تكون مرتبطة بالسياسة وحدها وإنما بالمصلحة الاقتصادية المباشرة أيضا
مصر ليست بعيدة عن المعادلة
القاهرة في هذه المعادلة لا تتحرك من موقع المتفرج
مصر دولة محورية في أمن البحر الأحمر وتمتلك قناة السويس التي تعد من أهم طرق التجارة العالمية ولذلك فإن استقرار المنطقة يمثل قضية أمن قومي واقتصادي في الوقت نفسه
كما أن التنسيق المصري السعودي يبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن المنطقة لا يمكن التعامل معه بمعزل عن الدول العربية الرئيسية صاحبة التأثير الجغرافي والسياسي والاستراتيجي
وفي النهاية فإن أزمة الطاقة الحالية تكشف حقيقة مهمة وهي أن العالم أصبح أكثر ترابطا من أي وقت مضى
ضربة في منشأة للطاقة يمكن أن تصل آثارها إلى الأسواق الأوروبية
واضطراب في البحر الأحمر يمكن أن يرفع تكاليف التجارة
وأزمة إقليمية يمكن أن تتحول خلال أيام إلى أزمة اقتصادية عالمية
وهنا تظهر أهمية القاهرة والرياض معا في صياغة رؤية عربية أكثر توازنا لحماية أمن المنطقة وممرات التجارة والطاقة
فالرسالة الأهم ليست في سعر برميل النفط وحده وإنما في أن أمن البحر الأحمر أصبح جزءا من أمن الاقتصاد العالمي وأن مصر والسعودية تملكان من أوراق القوة ما يجعلهما طرفين رئيسيين في أي ترتيبات تستهدف حماية الاستقرار الإقليمي والدولي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى