مصر وكوريا الشمالية.. تاريخ من التعاون العسكري يفرض نفسه من جديد

مصر وكوريا الشمالية.. تاريخ من التعاون العسكري يفرض نفسه من جديد
كتب: أيمن بحر
تفاجيء البعض بإعلان الرئاسة المصرية عن تهنئة رسمية لكوريا الشمالية بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية.. حيث تضمنت برقية التهنئة التأكيد على عمق العلاقات التاريخية والصداقة والروابط التاريخية الطويلة التي تجمع بين البلدين.
بالإضافة إلى التعبير عن التطلع المستمر لتطوير الشراكة و(تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات! ).. بما يخدم مصلحة الشعبين الصديقين.
لكن الخطوة وتوقيتها مهم جداً، ومش ممكن نقراها خارج سياق بحث مصر الدائم في تشكيل تنوع القدرات والتحالفات، وخدمة تشكيل قوتها المرنة من مختلف الاتجاهات، مع ما يمكن تحميله من قراءة للمشهد كرسالة واضحة ضد بعض توجهات الولايات المتحدة الأمريكية.
والواقع إن العلاقات مع كوريا الشمالية مش وليدة النهاردة، ولا هي ردة فعل مباشرة لخلل في العلاقات مع أمريكا، بالعكس العلاقات بين مصر وكوريا لم تنقطع، و جذورها أقدم من التحالف مع الأمريكان بعد ال79
حيث تعود جذور العلاقات إلى فترة الخمسينات مع عصر تأسيس قوة الجمهورية المصرية خلال حكم الرئيس جمال عبد الناصر، وقتها انضم البلدين إلى حركة عدم الانحياز.. وكانت كوريا تسبق مصر في التطور العسكري مما ساعد على دعمها الكبير لمصر عسكرياً وتقنياً، ووصل الأمر لذروته مع تقديم كوريا طيارين وخبراء عسكريين لصالح دعم مصر في حرب أكتوبر 73 وهو ما لم تنساه مصر أبدا.
أما في عصرنا فالوضع له دلالات مختلفة نظراً لتغير العالم وللعلاقات المصرية الإستراتيجية مع أمريكا والغرب.. في ظل مشاكل وعقوبات تعاني منها كوريا الشمالية، لكن رغم ذلك تمثل العلاقات المصرية مع كوريا الشمالية قوة مهمة للتعاون” الذي لم ينقطع “، و للاستمرار تحت الضغط، مع حساسية في تاريخ السياسة الخارجية المصرية نظراً لاشكالية كوريا مع توجهات الولايات المتحدة في نفس الوقت!
فلا شك في أن إعلان التهنئة والاستعداد للتعاون المستمر بهذا الشكل خطوة جريئة، ويمكن أن تسبب ضغوط على مصر، لكنها في نفس الوقت مستحيل أن تصدر من الرئيس المصري دون حسابات كاملة للرسالة الموجودة خلف هذا التوجه المعلن، واستعداد مصري حقيقي للتعاون مع كوريا الشمالية في( مختلف المجالات) كما قال نص البيان الرسمي.
خاصة أن مصر تهتم بقدرات كبيرة لجيشها، وهناك تاريخ من التعاون العسكري وتوطين تكنولوجيا الصواريخ اللي تعتبر فيه العلاقات المصرية مع كوريا الشمالية أساسية، حيث مثلت كوريا الشمالية لفترات طويلة مصدراً رئيسياً لتلبية احتياجات مصر من تكنولوجيا الصواريخ الباليستية (مثل تطوير صـ ــواريخ سكود)، في وقت كانت هناك قيود تسليح غربية ضد مصر وقت الصراع العربي الإسرائيلي.
وده بيودينا لواقع تجديد التعاون المعلن كرسالة لمن يهمه الأمر..
(بأن مصر ليست لديها مجال لانتظار أحد، ولن تقبل ضغط ضد قوتها.. حتى لو تحالفت مع أخطر جهات تعاديها الولايات المتحدة الأمريكية كالصين وروسيا وصولاً لكوريا الشمالية!)
من ناحية تاني الحدث ده رغم قراءته (بشكل مبالغ فيه) بسبب الضغوط الإقليمية المتغيرة حالياً.. إلا إنه مصر لم تقطع علاقتها بكوريا الشمالية أبدا خلال السنوات السابقة، على العكس حفظت الذاكرة المصرية موقف كوريا من دعم مصر عسكرياً في نصر أكتوبر المجيد، واستمرت علاقة عسكرية “غير معلن تفاصيلها”، بجانب وجود التنسيق الدبلوماسي في المحافل الدولية بين البلدين الصديقين، حيث حافظت مصر لسنوات طويلة على مواقف متوازنة وأحياناً داعمة لبيونغ يانغ في المحافل الدولية، واستمرت السفارات رسمياً بين البلدين رغم العقوبات والحصار الأمريكي ضد بيونج يانج.
والسؤال الآن هل لو تطورت العلاقات لمجالات أهم وبشكل معلن سيتسبب ذلك في ضرر لمصر؟
مبدأيا خلينا نتفق أن مصر لا تبني قرارها السياسي اعتباطاً، وليست رهينة لتحالف أمريكي مثل غيرها، ف الأساس الإستراتيجي للدولة المصرية مبنى منذ قيام الجمهورية على الاستقلال السياسي الكامل، والتوازن السياسي مع عدم الانحياز في حالات الصراع العالمي،، كمان مصر عندها قدرات عسكرية مستقلة بالكامل لا تقبل إملاء من أحد على جهات التعاون المفروضة، وعملت رؤية الرئيس المصري خلال العقد الأخير على تنويع مصادر التسليح بشكل حاسم.
لكن لا نستبعد إمكانية التصادم مع الضغط والعقوبات الدولية والأمريكية في حالة تعاون أكبر مع كوريا الشمالية، خاصة مع خطر العقوبات الاقتصادية بسبب البرنامج النووي والصاروخي الكوري.
أما في المقابل إن حدث تعاون أكبر مع كوريا الشمالية ف النتيجة ستكون مهمة في مجالات من الواضح أن مصر تحتاج لتقدمها في أسرع وقت، زي التكنولوجيا العسكرية والصواريخ الباليستية، حيث تعتبر كوريا الشمالية قوة صاروخية متقدمة للغاية.. بالإضافة إلى التقدم المذهل في نظم الحرب الإلكترونية والأمن السيبراني، كمان بيُصنف قطاع الأمن السيبراني في كوريا الشمالية كواحد من أكثر القطاعات تطوراً وشراسة في العالم.. وتمتلك وحدات سيبرانية رسمية متقدمة لتنفيذ عمليات تجسس إستراتيجي دولي.. وكل هذة المجالات دخلتها مصر بقوة، وتحتاج التقدم فيها.
ده غير طبعاً أسلحتها النووية المتقدمة، حيث تمتلك بيونج يانج قدرات تقنية متقدمة في مجالات تخصيب اليورانيوم والبلوتينيوم وعمليات الهندسة النووية.
أخيرا يمكن أن تؤثر تطورات العلاقات المصرية مع كوريا الشمالية على التوجهات الأمريكية ضد مصر، لكنها ورقة ضغط وتعاون( خفي أو معلن) يجب أن تظل تحت إيد قوة التنوع في تحالفات القاهرة مهما كلف الأمر.




