مقالات الرأي

والشمس وضحاها

قلم المستشار السيد ابوالحسن شلبى

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَدَبَّرْتُ وَحْيَ الإِلَهِ الْعَظِيمِ
فَهَاجَ الْفُؤَادَ وَشَقَّ السُّتُرْ
وَأَلْقَى عَلَى الرُّوحِ أَنْوَارَهُ
فَزَالَ الظَّلَامُ وَوَلَّى الْكَدَرْ
وَأَبْصَرْتُ سِرَّ الْوُجُودِ الَّذِي
بِهِ يَتَبَيَّنُ صِدْقُ الْخَبَرْ
فَجَاءَ الْقَسَمْ مِنْ إِلَهِ الْوَرَى
لِيُوقِظَ قَلْبًا تَوَارَى وَفَتَرْ
فَوَالشَّمْسِ تَجْرِي بِأَمْرِ الْمَلِيكِ
وَتَهَبُ الْخَلَائِقَ نُورَ السَّحَرْ
تُبَدِّدُ لَيْلَ الْأَسَى إِذْ دَجَا
وَتُحْيِي الْحُقُولَ وَتُحْيِي الشَّجَرْ
وَفِي ضُحَاهَا دَلِيلُ الْجَلَالِ
وَفِيهَا شُهُودٌ عَلَى مَنْ كَفَرْ
وَبِالْقَمَرِ التَّابِعِ الشَّمْسَ لَمَّا
يُوَاصِلُ سَيْرًا بِحُكْمِ الْقَدَرْ
يُذَكِّرُنَا أَنَّ كُلَّ الْخَلَائِقِ
تَسِيرُ لِرَبِّ السَّمَا وَالْبَشَرْ
وَبِالنَّهَارِ إِذَا مَا تَجَلَّى
فَأَبْدَى الْحَقَائِقَ بَعْدَ الْخَفَرْ
وَأَظْهَرَ لِلْعَيْنِ آيَاتِ رَبٍّ
عَلَيْهَا يَدُلُّ الْجَمَادُ وَمَدَرْ
وَبِاللَّيْلِ إِذْ يَغْشَى الْكَوْنَ حَتَّى
يَعُمَّ السُّكُونُ وَيَهْدَأَ فِكَرْ
فَفِي اللَّيْلِ أَسْرَارُ ذِكْرٍ وَعِلْمٍ
وَفِيهِ دُعَاءُ التُّقَى وَالسَّهَرْ
وَفِي اللَّيْلِ تَبْكِي الْعُيُونُ خُشُوعًا
وَيَرْقَى الْمُحِبُّ إِلَى مَنْ غَفَرْ
وَبِالسَّمْكِ فِي السَّمَاءِ ارْتِفَاعًا
وَمَنْ شَيَّدَ الْبُنْيَانَ فَوْقَ الْبَشَرْ
بِلَا عَمَدٍ تَرْتَئِيهَا الْعُيُونُ
وَلَا عَجْزَ فِيهَا وَلَا مُنْحَدَرْ
وَبِالْأَرْضِ لَمَّا بَسَطْنَا رُبَاهَا
لِتَسْكُنَ فِيهَا جُمُوعُ الْبَشَرْ
وَأَنْبَتَ فِيهَا الْإِلَهُ زُهُورًا
وَزَرْعًا وَأَنْهَارَ عِزٍّ دَرَرْ
وَبِالنَّفْسِ إِذْ سَوَّاهَا الْإِلَهُ
عَلَى أَحْسَنِ الْخَلْقِ طُهْرًا وَفِكَرْ
وَأَوْدَعَ فِيهَا الْعُقُولَ لِتَرْقَى
وَأَوْدَعَ فِيهَا الْبَصَائِرَ وَالْعِبَرْ
فَأَلْهَمَهَا خَيْرَهَا وَالشُّرُورَ
وَبَيَّنَ فِيهَا طَرِيقَ الْخَطَرْ
وَقَالَ اسْلُكِي دَرْبَ أَهْلِ النَّجَاةِ
وَلَا تَتَّبِعِي غَايَةَ مَنْ غَدَرْ
فَفِي النَّفْسِ جُنْدٌ مِنَ الْخَيْرِ يَدْعُو
وَفِي النَّفْسِ جُنْدٌ إِلَى مَا ضَرَرْ
وَفِي الْقَلْبِ مَيْدَانُ حَرْبٍ طَوِيلٍ
بِهِ يَتَجَلَّى ثَبَاتُ الظَّفَرْ
فَمَنْ زَكَّى النَّفْسَ بِالذِّكْرِ حَتَّى
سَمَا فَوْقَ أَهْوَائِهِ وَانْتَصَرْ
وَصَانَ الْجَوَارِحَ عَنْ كُلِّ إِثْمٍ
وَعَاشَ عَلَى مِنْهَجِ الْمُعْتَبَرْ
وَجَاهَدَ شَيْطَانَهُ كُلَّ يَوْمٍ
وَلَمْ يَرْتَضِ الذُّلَّ أَوْ يَنْكَسِرْ
فَذَاكَ الَّذِي قَدْ أَفَازَ بِخَيْرٍ
وَنَالَ النَّعِيمَ وَحُسْنَ الْمَقَرْ
وَأَمَّا الَّذِي دَسَّ نَفْسًا بِذَنْبٍ
وَأَطْلَقَهَا فِي طَرِيقِ الشَّرَرْ
وَبَاعَ الضَّمِيرَ لِشَهْوَةِ نَفْسٍ
وَلَمْ يَخْشَ يَوْمًا حِسَابَ الْحَشَرْ
فَقَدْ خَابَ خَيْبَةَ مَنْ ضَلَّ عَنْهُ
هُدَى اللَّهِ فِي أَوْضَحِ الْمُخْتَصَرْ
وَقَدْ جَاءَ فِي الْوَحْيِ أَنَّ الثَّمُودَ
عَتَتْ وَاسْتَبَدَّتْ بِفِعْلِ الْبَطَرْ
فَكَذَّبَتِ الْمُرْسَلِينَ اسْتِكْبَارًا
وَلَمْ تَخْشَ بَأْسَ الْإِلَهِ الْقَهَرْ
وَقَامَ نَبِيُّ الْهُدَى فِيهِمُ
يُنَادِي بِحَقٍّ كَبَدْرٍ ظَهَرْ
وَقَالَ احْذَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ إِنَّ
لَهَا حُرْمَةً فَوْقَ مَا تَعْتَبِرْ
فَلَمْ يَسْمَعُوا لِلْهُدَى إِذْ دَعَاهُمْ
وَلَمْ يَتَّعِظْ مِنْهُمُ مَنْ حَذِرْ
فَعَقَرَهَا أَشْقَى الْقَوْمِ بَغْيًا
وَأَشْعَلَ فِي الْقَوْمِ نَارَ السَّعِيرْ
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ إِلَهُ الْوَرَى
عَذَابًا يُدَمِّرُ صَخْرًا وَمَدَرْ
فَسَوَّى دِيَارًا وَأَفْنَى جُمُوعًا
وَمَا خَافَ مِنْ عَاقِبَاتِ الْقَدَرْ
فَيَا أَيُّهَا الْمَرْءُ خُذْ مِنْهُمُ الْعِظَا
تِ فَالعُمْرُ يَمْضِي سَرِيعَ الْعُبُورْ
وَلَا تَغْتَرِرْ بِالشَّبَابِ فَإِنَّ
رِيَاحَ الْمَنَايَا تُدِيرُ الْبَشَرْ
وَلَا تَرْكَنَنْ لِلْغِنَى وَالسُّلُوطِ
فَكَمْ أَهْلَكَ الْمَالُ قَوْمًا كُثُرْ
وَزَكِّ فُؤَادَكَ بِالذِّكْرِ دَوْمًا
وَطَهِّرْ سَرِيرَتَكَ الْمُسْتَقِرْ
وَقُلْ مِثْلَمَا قَالَ خَيْرُ الْوَرَى
بِقَلْبٍ مُنِيبٍ وَدَمْعٍ انْهَمَرْ
إِلَهِي هَبِ النَّفْسَ تَقْوَى وَفَضْلًا
وَزَكِّيهَا يَا عَظِيمَ الْقَدَرْ
فَأَنْتَ وَلِيُّ النُّفُوسِ جَمِيعًا
وَأَنْتَ الْمُعِينُ إِذَا مَا عَثَرْ
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُسْتَشَارُ
أَبُو الْحَسَنِ الْحُرُّ خَيْرُ السِّيَرْ
رَوَى سُورَةَ الشَّمْسِ فِي نَظْمِهِ
فَجَاءَتْ كَنُورِ الصَّبَاحِ انْتَشَرْ
فَصَلُّوا عَلَى الْمُصْطَفَى دَائِمًا
فَبِالصَّلْحِ تَرْقَى الْقُلُوبُ الْغُرَرْ
وَآلٍ وَصَحْبٍ وَمَنْ قَدِ اهْتَدَى
وَسَارَ عَلَى نَهْجِهِ الْمُزْدَهِرْ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى