
بين حرية العقيدة وحرية التجارة
بقلم خالد البنا
قراءة في واقعة تورتة الصليب
ليست الأمم العظيمة هي التي يتشابه أبناؤها في العقائد والأفكار، وإنما هي التي تتسع صدورها لاختلاف العقائد والأفكار. فالمجتمع ليس ثكنة عسكرية يرتدي فيها الجميع الزي نفسه، وإنما هو حديقة واسعة تتجاور فيها ألوان متعددة من الزهور دون أن يطغى لون على لون.
ومن هنا تبرز قضية تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تثير أسئلة كبيرة في جوهرها. فمسيحي طلب من محل حلويات يديره مسلم أن يصنع له تورتة عليها صليب من الشوكولاتة، فرفض صاحب المحل قائلاً إن ذلك يخالف عقيدته الدينية.
والسؤال هنا: هل كان الرفض دفاعاً عن العقيدة
أم كان خلطاً بين حق الإنسان في الإيمان بما يشاء، وحق الآخرين في التعبير عن إيمانهم؟
إن المسلم لا يصبح مسيحياً إذا باع لمسيحي كتاباً دينياً، كما أن المسيحي لا يصبح مسلماً إذا باع لمسلم مسبحة أو سجادة صلاة. فالتجارة في أصلها تبادل للمنافع بين البشر، وليست إعلاناً عن التحول العقائدي.
وقد عرف التاريخ المصري صوراً كثيرة من التعايش. فالحرفي المسلم كان يصنع أجراس الكنائس، والحرفي المسيحي كان يشارك في صناعة الفوانيس والزخارف الرمضانية. ولم يكن أحد يرى في ذلك تهديداً لعقيدته، لأن العقيدة كانت مستقرة في القلب، لا تهتز بسبب معاملة تجارية أو خدمة مهنية.
غير أن هناك جانباً آخر لا يجوز تجاهله. فصاحب المحل أيضاً له حرية ضمير. فإذا كان مقتنعاً بصدق أن تنفيذ هذا الطلب يمثل بالنسبة إليه مشاركة دينية لا يستطيع قبولها، فمن حقه الشخصي أن يرفض. فحرية العقيدة لا تخص الزبون وحده، بل تخص البائع أيضاً.
وهنا تظهر المعضلة الحقيقية: لدينا حقان متقابلان، لا حق واحد. حق الزبون في الحصول على خدمة تعبر عن هويته الدينية، وحق صاحب المحل في ألا يُجبر على عمل يراه منافياً لقناعته.
وفي المجتمعات الحديثة يُحاول القانون تحقيق التوازن بين هذين الحقين. فبعض الدول ترى أن النشاط التجاري المفتوح للجمهور يجب أن يخدم الجميع دون تمييز، بينما تعطي دول أخرى مساحة أوسع لحرية الضمير لدى صاحب العمل.
أما من الناحية الأخلاقية والاجتماعية، فإن التعايش يقتضي قدراً من التسامح المتبادل. فإذا كان المسلم يتمنى من الآخرين احترام الهلال أو المصحف أو الشعائر الإسلامية، فمن الطبيعي أن يتفهم احترام المسيحي لرمز الصليب. وليس معنى هذا أن يؤمن به، بل أن يعترف بحق غيره في الإيمان به.
إن المشكلة الكبرى في مجتمعاتنا ليست وجود الاختلاف الديني، فالاختلاف موجود منذ آلاف السنين، وإنما المشكلة هي تحويل كل اختلاف إلى معركة. فالوطن لا يُبنى حين ينتصر رمز ديني على رمز ديني آخر، بل حين يشعر الجميع أن كرامتهم مصونة وحقوقهم محترمة.
ولعل الحكمة تقتضي أن ندرك أن الإيمان الحقيقي لا يخاف من صورة على تورتة، ولا من هلال على حلوى، ولا من صليب من الشوكولاتة. فالعقائد الراسخة أقوى من أن تهزها الرموز العابرة، وأقوى من أن تهددها معاملة تجارية بين مواطن ومواطن.
لقد عاشت مصر قروناً طويلة حين كان المسلم والمسيحي يتجاوران في السوق والشارع والحقل والجامعة. ولم تكن قوة الوطن في إزالة الفوارق بين الناس، بل في القدرة على التعايش معها. وهذه هي الرسالة التي نحتاج إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى: أن نحترم حق الإنسان في أن يكون مختلفاً، دون أن نعتبر اختلافه عداءً لنا أو انتقاصاً من إيماننا.



