
الدولة والكنيسة والإسلام السياسي بعد 1952
بقلم خالد البنا
هل استخدمت السلطة المصرية حماية الأقباط لتثبيت الحكم
من أكثر الأسئلة حساسية في تاريخ مصرالحديث هذا السؤال هل قدّمت السلطة نفسها بعد ثورة 23 يوليو 1952كحامٍ للأقباط من خطر الإسلام السياسي، من أجل تثبيت شرعيتها واستمرارها
وهل نشأت معادلة غير معلنة تقول
إما الدولة العسكرية… أو الفوضى الدينية
السؤال شديد التعقيد، ويحتاج إلى قراءة تاريخية بعيدة عن التخوين،أو التقديس.
أولًا مصر قبل 1952
قبل: ثورة 23 يوليو 1952كانت الحياة السياسية في مصر أكثر تنوعًا نسبيًا
أحزاب،وبرلمان،وصحافة،وحياة مدنية، مع وجود جماعة الإخوان المسلمين كقوة صاعدة منذ الثلاثينيات والأربعينيات.وفي الوقت نفسه كان هناك حضور قبطي واضح نسبيًا في
السياسة،والاقتصاد،والنخبة المدنية.
ثانياً ثم جاءت دولة يوليو
بعد 1952، أصبحت الدولة أكثر:
مركزية،وأمنية،واعتمادًا على الجيش.
وتم تقليص الأحزاب،والصحافة الحرة،
والحياة السياسية التقليدية.
لكن الدولة قدمت نفسها أيضًا باعتبارها
دولة وطنية فوق الانقسامات الدينية.
ثالثاً لماذا ظهرت فكرة حماية الأقباط
لأن السلطة دخلت مبكرًا في صدام مع جماعة الإخوان المسلمين خصوصًا بعد أزمة 1954،
ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصربحسب الرواية الرسمية.ومنذ ذلك الوقت بدأت الدولة ترى نفسهاممثلة للاستقرار، في مواجهة
الإسلام السياسي.
رابعا هل شعر بعض الأقباط بالأمان مع الدولة
نعم، عند قطاعات منهم.
لأن الدولة القومية الحديثة رفعت شعارات:
المواطنة،والقانون،والهوية الوطنية المصرية، بدل الدولة الدينية.
ومع تصاعد الجماعات المتشددة لاحقًا، خصوصًا في السبعينيات والثمانينيات، شعر بعض المسيحيين أن الدولة رغم عيوبها تبقى أقل خطرًا من الفوضى الطائفية.
خامسا لكن هل استخدمت السلطة هذا سياسيًا
بعض الباحثين والمفكرين يرون أن السلطة المصرية أحيانًا استفادت من خوف الأقليات،
وخوف قطاعات مدنية، من صعود التيارات الإسلامية.أي أن المعادلة أصبحت أحيانًا
وجودنا ضرورة لمنع البديل الأخطر.
وهذا ليس خاصًا بمصر فقط، بل ظهر في دول عديدة بالمنطقة.
سادساً هل يعني هذا أن الدولة اختلقت الخطر
ليس بهذه البساطة لأن مصر شهدت فعلًا
أحداث عنف طائفي،واغتيالات،
وصعود جماعات متشددة، خصوصًا في
السبعينيات،والثمانينيات،والتسعينيات.
مثل جماعات الجهاد،والجماعة الإسلامية.
أي أن الخوف لم يكن وهمًا كاملًا.
سابعاً ماذا حدث في عهد السادات
في عهد أنور الساداتحدث تحول مهم.
فقد حاول استخدام التيارات الإسلامية
لمواجهة اليسار والناصريين.
لكن مع الوقت، كبر نفوذ بعض الجماعات، وحدث توتر طائفي متزايد.
وفي النهاية انتهى الأمر باغتيال السادات نفسه سنة: 1981.
ثامناً ثم جاء عصر مبارك
في عهد حسني مبارك ترسخت أكثر معادلة
الاستقرار مقابل الخوف من الفوضى.
وكانت الدولة تقدم نفسها باعتبارها
الحاجز أمام التطرف الديني،
والضامن لوحدة المجتمع.
وفي المقابل، اتهمها معارضون بأنها
تستخدم الملف الطائفي أحيانًا،
أو تبالغ في التخويف من البديل الإسلامي.
تاسعاً هل كان الأقباط دائمًا مؤيدين للسلطة
لا.فالأقباط ليسوا كتلة واحدة.
بعضهم دعم الدولة خوفًا من الإسلام السياسي.
وبعضهم:انتقد الدولة بسبب
التمييز،أو ضعف المواطنة،
أو القيود الأمنية.
أي أن الصورة أكثر تنوعًا مما يتخيله الناس.
عاشراً ماذا حدث بعد 2011؟
بعد: ثورة 25 ينايردخلت مصر مرحلة شديدة الاضطراب.
ثم وصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم لفترة قصيرة.وهنا تصاعد خوف قطاع من
المسيحيين،والليبراليين،
وبعض فئات المجتمع، من احتمال
هيمنة دينية على الدولة.
ثم جاءت ثورة 30 يونيو 2013وسط هذا المناخ المتوتر.
إذن هل الرؤية صحيحة أم مبالغ فيها
الحقيقة التاريخية غالبًا تقع في المنتصف.
نعم بعض السلطات استخدمت خطاب
حماية الدولة المدنية،وحماية الأقليات، لتعزيز شرعيتها.
لكن أيضًا كان هناك بالفعل خوف حقيقي عند قطاعات من المجتمع من صعود تيارات دينية متشددة.
أي أن السياسة والخوف والواقع امتزجوا معًا.
المفارقة الكبرى
أن مصرظلت طوال تاريخها الحديث تبحث عن معادلة صعبة جدًا
كيف تحافظ على هوية المجتمع الدينية، وفي الوقت نفسه
تمنع تحول الدين إلى صراع سياسي يهدد وحدة الدولة
وهو سؤال ما زال مطروحًا حتى اليوم.
كلمة أخيرة
التاريخ لا يُقرأ بالشعارات وحدها.
فليس صحيحًا أن
كل سلطة تحمي الأقليات بدافع إنساني خالص.
وليس صحيحًا أيضًا أن
كل خوف من التطرف مجرد وهم مصنوع.
الحقيقة أن المجتمعات المعقدة مثل مصرتعيش دائمًا بين الحاجة إلى الاستقرار، والخوف من الاستبداد، وبين التدين الشعبي، والخوف من التوظيف السياسي للدين.
وفي هذا التوتر الطويل، ظل الهلال، والصليب، يحاولان معًا النجاة داخل وطن واحد اسمه: مصر.




