
من كتاب سكن
تأليف خالد البنا
أولا
من أنفسكم
أوصت أمامة بنت الحارث ابنتها ليلة زفافها بهذه العبارة
ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عنه
ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال
هل لها علاقة بقوله تعالى
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا
من الاحتياج إلى الانتماءلم تكن العبارة عادية ولم تمرّ كما تمر الكلمات.
ولكن النساء للرجال خُلقن، ولهن خُلق الرجال
جملة تبدو بسيطةلكنها تحمل في داخلها تاريخًا كاملًا من الفهم الإنساني للعلاقة.هي لا تتحدث عن الحب ولا عن الشوق ولا عن ذلك الارتعاش الخفي حين يلتقي قلبان بل تتحدث عن شيءٍ أكثر بدائيةالاحتياج.الإنسان، في أقدم صوره،
لم يكن يبحث عن السكن بل عن البقاء.
كان يريد من يشاركه الطريق لا من يشاركه الروح.ولهذا قالت الأعرابيةو استغنت المرأة لما احتاجت.لكنها لا تستغني.وكأن العلاقة هناليست اختيارًا بل ضرورة.ضرورة أن لا تكون وحدك.ضرورة أن تجد من يسد الفراغ.
ضرورة أن تكتمل لا لأنك جزءٌ من كل
بل لأنك ناقص.وهنا تبدأ الحكاية من نقطة مختلفة تمامًا.حين تأتي الكلمة من السماء،
في القرآن الكريم،لم يقل خُلقن لكم
بل قال من أنفسكم والفرق يبدو بسيطًا لكنه، في الحقيقة،فرق بين عالمين.أن يكون الآخر لك يعني أنه خارجك.شيء تملكه أو تحتاجه أو تخاف فقدانه.لكن أن يكون “من نفسك”…فهذا شيء آخر تمامًا.هذا يعني أنك لا تلتقي به بل تعود إليه.لا تحتاجه بل تتعرّف فيه على نفسك.لا تخاف فقدانه بل تخاف أن تفقد جزءًا منك.وهنا…تتحول العلاقة من احتياج
إلى انتماء.الاحتياج يقول أنا بدونك ناقص.
أما الانتماء فيقول أنا معك أنا.
الاحتياج يخلق خوفًاالخوف من الفقد
الخوف من الاستغناء الخوف من البديل.
أما الانتماء فيخلق سكونًا.سكون من يعرف أنه لم يعد يبحث.وهذا ما لم تقله الوصية.
لم تكن مخطئة لكنها لم تكن كاملة.
هي رأت الإنسان وهو يحاول أن ينجو.
أما الآية فرأت الإنسان وهو يحاول أن يعيش.
الوصية قالت لا تستغني عنه.
لكن الآية قالت أنت منه.يا له من فرق
بين من يعيش معك لأنه يحتاجك
وبين من يعيش معك لأنه ينتمي إليك.
في الأولى تتحول العلاقة إلى صفقة.
أعطيك فتعطيني.
أبقى معك فتبقى معي.وفي الثانية لا يعود هناك حساب.لأنك لا تحاسب نفسك ولا تساومهاولا تفاوضها على البقاء.وهنا فقط يظهر المعنى الحقيقي لكلمة سَكَن ليس لأنك وجدت من تحتاجه بل لأنك وجدت من تعود إليه.
ليس لأنك خفت الوحدة بل لأنك لم تعد تشعر بها.ليس لأنك اكتفيت بل لأنك اكتشفت نفسك في الآخر.وهنا فقط هنا تفهم لماذا قالت الآية:لتسكنوا إليهاولم تقل لتعيشوا معها.لأن الحياة يمكن أن تُعاش مع أي أحد.
أما السكن فلا يكون إلا مع من هو منك.


