
حين يتحول الحاكم إلى قدر
وتموت الدولة واقفة
بقلم خالد البنا
ليست المأساة أن يحكمنا طاغية…بل المأساة أن نطلب نحن بقاءه. ليست الكارثة أن يتمسك الحاكم بالكرسي…بل أن يتحول الكرسي في وعينا إلى عرش،وأن يتحول الحاكم في خيالنا إلى ضرورة،وفي خوفنا إلى ملاذ،وفي عجزنا إلى قدر لا يُرد.هنا، عند هذه اللحظة تحديدًا،
تموت الدولة… لا بالسقوط، بل بالوقوف الطويل.
الدولة التي تُختزل في رجل ما الذي يجعل أمة كاملة ترتجف من فكرة التغيير
ما الذي يدفع شعبًا لأن يقول لحاكمه
ابقَ… حتى لو تعبت… حتى لو مرضت… حتى لو غاب وعيك إنها اللحظة التي تختزل فيها الدولة في شخص.فلا يعود هناك دستور، ولا قانون، ولا مؤسسات…بل رجل واحد، يحمل الوطن فوق كتفيه،فإذا مال… مال الوطن،
وإذا سقط… سقط الجميع.
وهكذا يتحول الحاكم من موظف إلى مصير.
1.وهم الاستقرار… حين يصبح الخوف عقيدة
لقد نجحت السلطةعبر سنوات طويلة في زرع فكرة خبيثةأن البديل عن الحاكم ليس نظامًا أفضل… بل فوضى.فيُخيَّر الناس بين نارين..
استبدادٌ نعرفه… أو فوضى نخافها.
فيختارون الاستبداد… لا حبًا فيه، بل رعبًا من المجهول.وهنا تُبنى أخطر معادلة في تاريخ السياسة:الخوف هو الطاعةوالطاعة هي بقاء الحاكم
2.حين يصبح الزعيم ضرورة كونية
في بعض البلاد، لا يُقدَّم الحاكم باعتباره رئيسًا…
بل باعتباره المنقذ الحامي، الضامن الوحيد للبقاءويُقال للناس، صراحة أو ضمنًا
إذا رحل… ضاعت البلاد وهكذا تتحول الأمة إلى رهينة لفكرة،لا لواقع.
3.التاريخ لا يكذب… لكنه يُهمل
انظر إلى النهايات… لا إلى البدايات..
معمر القذافي
حكم طويلًا… حتى ظن أن ليبيا ملكٌ شخصي،
فانتهى المشهد ببلد ممزق.
حسني مبارك
بقي حتى ظن أن الزمن توقف عنده،
فانفجر الشارع في وجهه.
زين العابدين بن علي
حكم حتى تآكلت شرعيته،
فهرب في لحظة… تاركًا وطنًا يغلي.
بشار الأسد
تمسك بالكرسي…
فخسر الأرض، وخسر الناس، وخسر التاريخ.
التاريخ هنا لا يروي قصصًا…
بل يكتب قانونًا
4.كل سلطة بلا نهاية… نهايتها كارثية.
من المسؤول الحاكم أم الشعب
السؤال الصعب… والذي يهرب منه الجميع:
هل المشكلة في الحاكم وحده الحقيقة المؤلمة.. لا. فالحاكم الذي يمدد لنفسه،إنما يجد من يصفق له.والنظام الذي يستمر،إنما يستمر لأن هناك من يخاف من سقوطه أكثر من خوفه من بقائه.
إنها علاقة معقدة بين الخوف… والمصلحة… والوهم.
5.السودان… حين تتحول السلطة إلى حرب
في لحظة ما، يسقط القناع تمامًا،
وتتحول السلطة من كرسي إلى سلاح.
وهذا ما نراه في صراع
محمد حمدان دقلو
و
عبد الفتاح البرهان
حيث لم يعد السؤال من يحكم
بل: من يبقى
وهنا، لا تسقط الدولة فقط…
بل يضيع تعريفها.
6.التناقض العربي الأكبر
نصرخ جميعًا..
أين العرب مما يحدث لكننا لا نسأل
كيف يتحد الخارج… ونحن ممزقون في الداخل
كيف نقف صفًا واحدًا…ونحن لم نتفق بعد على أبسط قاعدة أن الحاكم يجب أن يرحل
وأخيرا
إن الأمة التي تخاف من تداول السلطة…
تحكم على نفسها بالبقاء في الماضي.
وإن الحاكم الذي لا يرحل…لا يخلد… بل يؤجل الانفجار.
أما الدولة الحقيقية، فهي التي لا تخاف من غياب أحد…لأنها بُنيت على نظام… لا على رجل.
ليس السؤال: من يحكم
بل هل يمكن أن يرحل… دون أن تسقط البلاد؟
هنا فقط…يبدأ معنى الدولة.




