آداب وفنون

همسة فراشة تولد امرأة من الضوء

بقلم /داليا أحمد بكري
في مساء بدا كأنه خرج من ذاكرة حلم لا من تقويم الأيام جلست تتأمل الفراغ حولها وكانت السماء تنسج خيوطا من ذهب خافت كأن الغروب يكتب رسالة أخيرة قبل أن يسلم الليل مفاتيحه لم تكن تنتظر أحدا لكنها شعرت أن شيئا ما في الطريق إليها شيء يشبه المعنى حين يتعب من الاختباء
مدت يدها ببطء لا لتلمس العالم بل لتتأكد أنها ما زالت جزءا منه عند أطراف أصابعها توقفت فراشة كأنها سطر صغير من قصيدة لم تكتب بعد لم تخف ولم تطر بل ظلت تحلق بين الثبات والغياب كما لو أنها تسأل سؤالا لا يسمع إلا بالقلب
كانت الفراشة في تلك اللحظة أكثر من كائن هش كانت مرآة مرآة لروح حاولت طويلا أن تنسى أنها وجدت لتطير تأملت جناحيها الشفافين فرأت فيهما خريطة حياة كاملة طفولة تحب الضوء بلا خوف وشبابا يطارد المعنى بلا يقين ونضجا يكتشف أن الحرية لا تأتي إلا بعد أن نحترق قليلا
الفراشة لا تولد فراشة تمر أولا بعتمة الشرنقة بضيق الأسئلة بصمت التحولات التي لا يراها أحد وهكذا الإنسان يولد مرات عديدة لكنه لا يدرك ذلك إلا حين يلتقي بفراشته الخاصة
اقتربت أكثر كأنها تهمس هل أنت أنا أم أنا ما كنت أخشاه في عمق اللحظة شعرت أن الفراشة لم تكن أمامها بل داخلها وأن كل ما خاضته من صمت وكل ما كتمته من حنين وكل ما خسرته من يقين كان مجرد شرنقة طويلة وأن الضوء الذي يحيط بها الآن لم يكن ضوء الغروب بل بداية انكشاف الروح لنفسها
الفراشات لا تعيش طويلا لكنها تعيش بامتلاء لا تحمل حقائب ولا تكتب وصايا لكنها تترك أثرا من خفة يذكرنا أن الحياة ليست عدد السنوات بل عمق اللحظة
ابتسمت وللمرة الأولى لم تحاول الإمساك بالفراشة فهمت أن الجمال لا يمسك بل يعاش وأن الروح حين تتحرر لا تحتاج إلى أجنحة مرئية
حلقت الفراشة ببطء نحو الضوء وبقيت هي واقفة لكنها شعرت أنها تطير فالتحليق الحقيقي لا يكون بالجسد بل حين تصالح النفس ظلالها وتفتح نافذتها للدهشة
في تلك اللحظة أدركت أن كل إنسان يحمل فراشة داخله لكن القليل فقط يجرؤون على الإصغاء إلى رفة جناحيها ومن بعيد كان الليل يقترب لكنها لم تخف لأنها عرفت أخيرا أن الظلام ليس نهاية الضوء بل رحم جديد تولد منه الفراشات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى