آداب وفنون

حين يصبح القبول لغة الحب الاصدق

✒ بقلم / داليا احمد بكرى
ليس أجمل ما في الحب أن يولد فجأة ولا أن يشتعل سريعا بل أن يبقى هادئا عميقا كجذر يمتد في الأرض دون أن يراه أحد ففي عالم يتقن الناس فيه التمثيل ويخفون هشاشتهم خلف ابتسامات مصقولة يصبح القبول هو المعجزة الحقيقية لأنك لا تبحث فقط عمن يحبك بل عمن يمنحك حق أن تكون نفسك دون خوف ودون محاولة دائمة لإثبات أنك تستحق البقاء
أن تجد من يراك في لحظة ضعفك فلا يبتعد بل يقترب أكثر ومن يسمع ارتباك كلماتك فلا يصححها بل يحتضن معناها ومن يرى تعبك فيسندك بصمت كأن حضوره رسالة طمأنينة لا تحتاج إلى شرح لأن الحب الحقيقي لا يختبرك ولا يضعك في ميزان المقارنة بل يمنحك شعورا بأنك كاف كما أنت بكل ما فيك من تناقض ومن نقص ومن أحلام لم تكتمل
وفي العلاقات العميقة لا تكون الكلمات هي اللغة الوحيدة بل تصبح النظرات جسورا ويصبح الصمت اعترافا طويلا ويصبح الفهم بديلا عن الأسئلة فلا تحتاج أن تبرر موقفك ولا أن تدافع عن لحظة حزن ولا أن تشرح سبب صمتك لأن هناك من يقرأ التفاصيل الصغيرة التي لا تراها العيون العادية من يفهم انكسار صوتك ومن يدرك أن ابتسامتك تخفي تعب يوم كامل ومن يمد لك دفء حضوره دون أن تطلب
القبول ليس ضعفا بل أعلى درجات القوة لأن من يتقبلك يمنحك مساحة إنسانية نادرة يجعلك تتنفس دون خوف من الحكم عليك ويجعلك تعيش دون أن ترتدي قناعا جديدا كل يوم فالعلاقات التي تبنى على الكمال تنهار عند أول خطأ أما العلاقات التي تبنى على القبول فتصبح أكثر رسوخا كلما ظهرت الحقيقة لأن الصدق فيها ليس حدثا بل أساسا دائما
كم من حب ضاع لأن أحدهم أراد أن يغير الآخر وكم من قلب انكسر لأنه شعر أنه مطالب بأن يكون نسخة أفضل طوال الوقت وكم من علاقة انتهت لأن القبول كان غائبا بينما بقيت العلاقات التي احتضنت العيوب قبل المزايا لأنها فهمت أن الإنسان ليس لوحة مكتملة بل قصة مستمرة وأن أجمل ما في القصة هو صدقها لا مثاليتها
الحب الذي يقوم على القبول يشبه بيتا دافئا في ليلة باردة يمنحك الأمان دون أن يسألك من أين أتيت ولا لماذا تأخرت يشبه حضنا صامتا يقول لك إنك لست مضطرا أن تكون قويا دائما وإن ضعفك لا يقلل منك بل يجعلك أكثر إنسانية لأن القلوب التي تحب بصدق لا تبحث عن الكمال بل تبحث عن الصدق
لم تكن المعادلة يوما في أن نجد حبا لأن الحب قد يأتي مصادفة وقد يولد من كلمة عابرة لكن المعادلة الأعمق أن نجد من يتقبلنا كما نحن من يرى فوضانا ولا يخاف ومن يسمع صمتنا ويفهم ومن يقول لنا دون أن ينطق إنك في مكانك الصحيح وإن وجودك يكفي
وهنا فقط يتحول الحب إلى سلام داخلي وتصبح الطمأنينة شعورا دائما وتدرك أن أجمل العلاقات ليست تلك التي تغيرنا بل تلك التي تعيدنا إلى أنفسنا أكثر صدقا وأكثر هدوءا لأن من يتقبلك بكل حب يمنحك أعظم هدية أن تكون نفسك دون خوف ودون تردد ودون أن تفقد روحك في محاولة إرضاء العالم

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى