مقالات الرأي

حراس النبض في غرف العمليات

التخدير" من منظور أخصائية من غزة

حراس النبض في غرف العمليات.. “التخدير” من منظور أخصائية من غزة


بقلم أخصائية التخدير والإنعاش :فرحانة عبد القادر أبوعابدة


 

بينما تتجه الأنظار في غرف العمليات نحو مبضع الجراح وهو يؤدي مهمته، يقف خلف رأس المريض جندي مجهول، يراقب كل نبضة قلب، ويتحكم في كل نَفَس، ويضبط توازنات كيميائية دقيقة لضمان بقاء المريض في حالة “غيبوبة طبية محكومة” وآمنة. هذا هو اختصاصي التخدير؛ الحارس الشخصي للمريض في أصعب لحظات حياته.

التخدير ليس مجرد “نوم”

يعتقد الكثيرون أن التخدير هو مجرد حقنة تؤدي للنوم، لكن الحقيقة العلمية أكثر تعقيداً. التخدير هو مثلث متساوي الأضلاع يتكون من:

     

              فقدان الوعي، تسكين الألم، والارتخاء العضلي

وبصفتي ممارسة في هذا المجال، أدرك أن مسؤوليتنا ليست فقط في “تنويم” المريض، بل في “إفاقته” بأمان، وهي المهمة الأكثر دقة وحرجاً.

                                    “عندما يصبح التخدير “رسالة صمود

ولم تكن ممارستي لهذا التخصص مجرد واجب مهني، بل كانت اختباراً حقيقياً للإنسانية والثبات تحت لهيب الحرب في غزة. هناك، حيث تزدحم غرف العمليات بإصابات مركبة

تتجاوز حدود الكتب العلمية، كنا نسابق الزمن لتخدير جريحٍ ينزف أو طفلٍ يرتجف خوفاً وألماً. في ظل شح الإمكانيات وضجيج القصف، كان دوري هو أن أسيطر على الألم في وقتٍ يحيط بنا فيه الوجع من كل جانب، وأن أحافظ على استقرار العلامات الحيوية لجرحانا، مؤمنةً بأن كل نَفَس نحميه هو انتصار للحياة.

سلامة المريض: الأولوية القصوى

لقد قطع علم التخدير شوطاً هائلاً؛ فبفضل أجهزة المراقبة الحديثة مثل Pulse Oximetry و Capnography، أصبح التخدير اليوم أكثر أماناً من أي وقت مضى. نحن لا نراقب المريض بالنظر فقط، بل نراقب مستويات الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في دمه لحظة بلحظة، لنحميه من أي مضاعفات قبل حدوثها.

                                                             رسالة إلى المجتمع

إن الخوف من التخدير هو خوف طبيعي، ولكن الوعي هو السلاح للقضاء عليه. إن تخصصنا يجمع بين برودة أعصاب المهندس، ودقة الصيدلي، ورحمة الطبيب. نحن آخر من يطمئن المريض قبل غيابه عن الوعي، وأول من يبشره بنجاح العملية عند استيقاظه. من قلب غزة، نعدكم أن نبقى العيون الساهرة التي تحرس أنفاسكم وتصون حياتكم.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى