مجلس الشيوخ يفتح ملف مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية…
بين توجيه رئاسي ورؤية تشريعية متكاملة

تحليل صحفي
بقلم: محمود فوزي فرج – كاتب ومحرر صحفي
في أعقاب الإشارة الواضحة من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ضرورة فتح ملف مخاطر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، تحرك مجلس الشيوخ المصري لمناقشة القضية في إطار مؤسسي شامل، يعكس إدراك الدولة لحجم التأثير الذي تمارسه المنصات الرقمية على وعي النشء واستقرار المجتمع.
الرسالة الرئاسية لم تكن مجرد تنبيه أخلاقي، بل توجيه استراتيجي بضرورة دراسة الأبعاد النفسية والاجتماعية والأمنية المرتبطة بالاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا الحديثة، خاصة بين الأطفال والمراهقين.
تشير تقارير محلية ودولية إلى ارتفاع معدلات استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية بين الفئات العمرية الصغيرة، مع تزايد حالات:
- العزلة الاجتماعية والأسرية.
- الإدمان الرقمي.
- التعرض لمحتوى عنيف أو غير ملائم.
- الابتزاز الإلكتروني والتنمر عبر المنصات.
في هذا السياق، جاءت مناقشات مجلس الشيوخ لتطرح السؤال الجوهري:
كيف يمكن حماية المجتمع دون التضييق على حرية الاستخدام أو إعاقة التطور التكنولوجي؟
خلال الجلسات، تقدم عدد من الأعضاء برؤى متعددة يمكن تلخيصها في ثلاثة مسارات رئيسية:
1️⃣ المسار التشريعي
- تغليظ العقوبات على الجرائم الإلكترونية المرتبطة بابتزاز الأطفال أو استغلالهم.
- إلزام المنصات الرقمية بآليات تحقق عمري أكثر دقة.
- وضع إطار قانوني ينظم الإعلانات الموجهة للأطفال داخل الألعاب.
2️⃣ المسار التوعوي
- إدراج مفاهيم “الأمان الرقمي” في المناهج الدراسية.
- إطلاق حملات إعلامية موجهة للأسر حول مخاطر الاستخدام المفرط.
- تدريب المعلمين على اكتشاف آثار الإدمان الرقمي مبكرًا.
3️⃣ المسار التقني
- التعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وشركات التكنولوجيا لتطوير أدوات رقابة أسرية أكثر فاعلية.
- تشجيع إنتاج محتوى رقمي وألعاب إلكترونية تعليمية محلية بديلة.
من جانبه، أكد المستشار محمود فوزي، وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، أن الحكومة تتعامل مع الملف باعتباره قضية وعي مجتمعي قبل أن يكون مجرد مسألة قانونية.
وأوضح أن الدولة تسعى إلى:
- عدم فرض قيود عشوائية قد تؤثر على بيئة الاستثمار الرقمي.
- تعزيز التنسيق بين الوزارات المعنية (التعليم، الاتصالات، التضامن، الشباب).
- تحديث التشريعات بما يتواكب مع المعايير الدولية في حماية البيانات وحقوق الطفل.
الرؤية الحكومية، وفق ما طُرح، تقوم على “الرقابة الذكية” بدلاً من المنع المطلق، مع التركيز على تمكين الأسرة بالأدوات والمعرفة اللازمة، القضية في جوهرها ليست صراعًا بين جيلين، بل معادلة دقيقة بين:
- حرية الوصول إلى المعرفة.
- حماية القيم المجتمعية.
- ضمان الصحة النفسية للنشء.
إن الإفراط في القيود قد يدفع الاستخدام إلى مسارات غير خاضعة للرقابة، بينما التساهل الكامل قد يفتح الباب لمخاطر أخلاقية ونفسية جسيمة.
و قد أشار الخبراء إلى أن أخطر ما يواجه الأطفال اليوم ليس فقط المحتوى العنيف، بل الخوارزميات التي تعزز البقاء الطويل على المنصة، ما يؤدي إلى الإدمان السلوكي.
وقد كشفت المناقشات داخل مجلس الشيوخ عن توجه لصياغة توصيات شاملة قد تُرفع إلى مجلس النواب والحكومة، تمهيدًا لإقرار تعديلات تشريعية أو إطلاق مبادرات وطنية و قد تتضمن:
- إعداد تقرير متكامل يحدد حجم الظاهرة بالأرقام.
- اقتراح إطار وطني للأمان الرقمي.
- إشراك منظمات المجتمع المدني في برامج التوعية.
الخلاصة
إن فتح ملف مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية لم يعد خيارًا، بل ضرورة فرضتها التحولات الرقمية السريعة، ومع التوجيه الرئاسي الواضح، والتحرك التشريعي داخل مجلس الشيوخ، تبدو الدولة المصرية في طريقها لوضع إطار متوازن يحمي المجتمع دون أن يعزل أبناءه عن العالم.
التحدي الحقيقي لن يكون في إصدار القوانين فحسب، بل في تحويل الوعي إلى ممارسة يومية داخل البيت والمدرسة والشارع الرقمي…
حيث تتشكل عقول الأجيال القادمة.



