من كتاب
فيروز
تأليف خالد البنا
الثبات
**البطولة الثانية – معركة رأس العش
1–2 يوليو 1967
ردّ الصاعقة وبداية الصمود**
وإذا ظنّ العدو أن الانكسار قد كُتب،
وأن الأرض قد خلت من حراسها،
وتقدّم مغرورًا بعد الصدمة،
قالت الأرض: كلا… هنا قومٌ لا يتركون الأرض ولو انكسر الزمان.
بعد أيام من النكسة،
والجراح لم تندمل،
والقلوب ما زالت تحت وقع الصدمة،
تقدّم العدو شمالًا،
يريد احتلال بورفؤاد،
ظانًا أن الطريق صار مفتوحًا،
وأن الجنود قد ألقوا السلاح وانتهى الأمر.
فإذا به يُفاجأ بآية لم يحسب حسابها.
المشهد
ثلاثون من رجال الصاعقة،
قليلٌ عددهم،
ثقيلٌ حملهم،
ثابتٌ قلبهم.
وقفوا في رأس العش
بين الرمال والماء،
بلا دبابات،
بلا غطاء جوي،
إلا من الإيمان،
والقسم،
والأرض التي أقسموا ألا تُؤخذ خطوة بعد خطوة.
فلما تقدّم العدو بمدرعاته،
وقال في نفسه:
«هؤلاء فلول هزيمة»،
خرج عليه الرصاص كأنه جواب السماء،
وسقطت أول دبابة،
ثم الثانية،
ثم ارتبك المتقدّمون،
وقال بعضهم لبعض:
من هؤلاء؟! ألم يُهزموا؟!
الآية القتالية
ثبت رجال الصاعقة،
لم ينسحبوا،
لم يتراجعوا،
لم يقولوا قِلّة.
وكان كل جندي منهم
كأنه أمة وحده،
وكان كل سلاح
كأنه سور،
وكانت الأرض تحت أقدامهم
تقول: اثبتوا، فأنتم الشاهدون.
دام القتال ساعات،
والعدو يتقدّم ثم يتوقف،
ثم يتراجع،
ثم يعاود،
وفي كل مرة
كان الثبات هو الحكم،
وكانت الإرادة أقوى من الحديد.
الهزيمة الأولى للعدو بعد النكسة
وانسحب العدو،
لا لأنه أُمر،
بل لأنه عجز.
وانكسرت أسطورة:
أن الجيش المصري انتهى.
وسقط وهم:
أن النكسة موت.
كانت رأس العش
أول كلمة ردّ
بعد صمت الهزيمة،
وأول دليل
أن الروح لم تُهزم،
وأن الانسحاب ليس نهاية،
وأن الصاعقة قالت مبكرًا:
نحن هنا… ولن نغيب.
الخاتمة المعنوية
هذه المعركة ليست في عددها،
ولا في سلاحها،
بل في معناها.
هي الآية التي تقول لكل جندي:
قد تُهزم جولة
قد تنسحب قوة
لكن إن ثبت القلب
فالنصر يبدأ
ومن رأس العش،
بدأ الصمود،
وتحوّل الانكسار إلى درس،
والهزيمة إلى طريق،
والطريق إلى عبور قادم.
وإن مع الصبر نصرًا،
وإن مع الثبات فتحًا،
وإن بعد الهزيمة قيامًا.



