
حريق القاهرة – يناير 1952
بحث تاريخي أكاديمي محايد
إعداد خالد البنا
في 26 يناير 1952، شهدت القاهرة واحدة من أعنف الاضطرابات في تاريخها الحديث، حين اندلعت الحرائق في وسط المدينة، ودُمر عدد كبير من المباني والمحلات التجارية والسينمات والفنادق والمقاهي والمكاتب، في حدث عُرف لاحقًا باسم حريق القاهرة أو السبت الأسود (Black Saturday).
يُعد هذا الحدث من الحوادث الفاصلة في التاريخ المصري الحديث، إذ جاء في سياق تصاعد التوترات بين الشعب والحكومة الملكية، وبين المصريين والقوات البريطانية المسيطرة على البلاد قبل اندلاع ثورة 23 يوليو 1952.
1. الخلفية السياسية والاجتماعية
خلال مطلع خمسينيات القرن العشرين، كانت مصر تنعم بوضع شكلي من الاستقلال بعد انتهاء الاحتلال البريطاني الرسمي في عام 1936، لكن النفوذ البريطاني بقي قويًا في منطقة قناة السويس، مما أسفر عن توترات سياسية متصاعدة بين الدولة المصرية ــ تحت حكم الملك فاروق ــ والشعب الذي كان يطالب بتحرر كامل وتحقيق العدالة الاجتماعية.
في أكتوبر 1951، أعلن رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا إلغاء معاهدة 1936 مع بريطانيا، مما زاد من حدة التوترات، ثم اندلعت في يناير 1952 حرب محدودة بين الشرطة المصرية والقوات البريطانية في الإسماعيلية، بعدما طلبت القوات البريطانية تسليم الشرطة المصرية أسلحتها، فما كان من الشرطة إلا أن رفضت، وقاومت ببطولة حتى نفدت ذخائرها. سقط في المعركة أكثر من 50 من الشرطة المصرية المساعدة.
2. اليوم الذي أُوقدت فيه النار
وصلت أنباء معركة الإسماعيلية إلى القاهرة في صباح 26 يناير 1952، فاندلعت احتجاجات غاضبة في الشوارع ضد ما اعتُبر اعتداءً بريطانيًا وقمعًا للشرطة الوطنية.
تحولت الاحتجاجات سريعًا إلى شغب واسع النطاق، واستغل بعض العناصر غير المنضبطة هذا الوضع المضطرب لإشعال الحرائق في وسط المدينة، حيث دُمرت نحو 700 مبنى تشمل:
محلات بيع بالتجزئة
سينمات ومقاهي
فنادق مثل فندق شيبرد وفنادق أخرى
مكاتب وأندية ومسارح
دار الأوبرا المصرية
وما إلى ذلك من منشآت تجارية وترفيهية.
كان الحادث شديد التأثير لدرجة أن بعض المؤرخين يعتبرونه نقطة تحول هامة أدّت إلى تآكل شعبية الحكم الملكي في مصر قبل الثورة التي حدثت بعد ستة أشهر.
3. الأطراف المتورطة والاتهامات المتبادلة
بالرغم من أن الحريق كان نتيجة أعمال عنف من قبل مجموعات في الشارع، لم يتم تحديد جهة مسؤولة بشكل قطعي حتى اليوم. فهناك اختلافات في تفسير ما حدث:
بعض التقارير التاريخية التي تشير إلى أن الجماهير الغاضبة استغلت الموقف لإضرام النيران كفعل انتقامي ضد رموز النفوذ الأجنبي والطبقة العليا، وهو ما يعكس الاحتقان الشعبي ضد الاحتلال السابق والطبقات المتمتعة بالامتيازات.
مصادر أخرى ذكرت أن الشرطة وسرادق الأمن كانوا غائبين أو لم يتدخلوا في الوقت المناسب، مما سمح بتفاقم الوضع وانتشار الشغب بسرعة.
استُخدمت الحادثة في بعض الخطابات السياسية لاحقًا لتبرير فشل الحكومة في الحفاظ على النظام، وهو ما ساهم في تراجع ثقة المواطنين في نظام الملك فاروق.
في وقت لاحق تم توجيه اتهامات متنوعة، بعضها ألقى باللوم على عناصر سياسية مثل الإخوان المسلمين أو أحزاب يسارية، لكن التحقيقات البريطانية وفق ملفات أرشيفية برأت الجماعات الإسلامية من ذلك الاتهام وذكرت أن التحقيق اتجه نحو أطراف أخرى ومسؤولين حكوميين.
4. النتائج المباشرة للحدث
أسفر الحريق عن:
خسائر مادية جسيمة في قلب العاصمة، حيث احترقت المباني التجارية والترفيهية.
إصابات ووفيات بين المواطنين نتيجة الحريق والنهب، رغم اختلاف التقديرات حول أعداد الضحايا الفعلية.
إعلان الأحكام العرفية وتحذيرات حكومية في القاهرة والجيزة من تكاثر الفوضى.
تفكك شعبية الحكم الملكي بشكل حاد، إذ بدا أن الحكومة عاجزة عن حماية العاصمة من الاضطرابات.
كما حدثت تجاذبات بين الملك والحكومة إزاء كيفية التعامل مع الوضع، ما عزز انعدام الثقة في القيادة التقليدية.
5. التأثيرات التاريخية الأوسع
يرى عدد من المؤرخين أن حريق القاهرة كان من العوامل التي مهدّت الطريق لثورة 23 يوليو 1952، لأنها فضحت ضعف الحكم الملكي، وأظهر انقسامات عميقة في المجتمع المصري بين مؤسسات الدولة وجماهير الشعب.
كما تم ربط الأحداث في القاهرة بتراجع القدرة على صيانة النظام العام، مما أعطى دفعة إضافية للمبادرات السياسية التي أدت لاحقًا إلى الإطاحة بالملكية وإعلان الجمهورية.
حريق القاهرة في 26 يناير 1952 يبقى واحدًا من أكثر الأحداث غموضًا وتعقيدًا في التاريخ المصري الحديث. وما زال التأريخ الأكاديمي يناقش أسبابه، الأطراف المسؤولة، ودوره في انهيار النظام الملكي. رغم مرور عقود طويلة، لا تزال التساؤلات حول هذا الحدث قائمة، ويُنظر إليه كـ لحظة مفصلية في مسار التحول السياسي والاجتماعي في مصر قبل الثورة.
سؤال «من أحرق القاهرة؟» هو واحد من أكثر الأسئلة حساسية وتعقيدًا في تاريخ مصر الحديث، والإجابة الأمينة علميًا هي:
لا يوجد إلى اليوم دليل قاطع أو حكم قضائي نهائي يحدد جهة واحدة مسؤولة عن حريق القاهرة 26 يناير 1952.
لكن البحث التاريخي الجاد يقدّم فرضيات مدعومة بقرائن، لا يقينيات. ودي الخلاصة الأكاديمية المحايدة
أولًا: ما الذي نعرفه يقينًا؟
الحريق وقع بعد ساعات من معركة الإسماعيلية بين الشرطة المصرية والقوات البريطانية.
الحريق كان منظمًا ومنسقًا:
بدأ في أماكن متباعدة في توقيت واحد تقريبًا.
استخدمت مواد حارقة وأدوات قطع كهرباء.
استُهدفت منشآت بعينها (سينمات، فنادق، محلات كبرى، ملاهٍ).
غياب أمني مريب:
الشرطة انسحبت.
الجيش لم يتدخل إلا بعد فوات الأوان.
هذا يستبعد أن يكون مجرد “غضب شعبي عفوي”.
ثانيًا: الفرضيات الرئيسة (مع تقييمها)
1️⃣ الغضب الشعبي العفوي
الرأي: الجماهير الغاضبة من الاحتلال البريطاني أشعلت الحرائق.
التقييم الأكاديمي: ضعيف
السبب:
الغضب موجود، لكن التنظيم غير عفوي.
الشعب الغاضب لا ينسّق حرق 700 مبنى في ساعات.
2️⃣ تورّط عناصر داخل السلطة الملكية
الرأي: أطراف داخل الحكم أرادت:
إفشال حكومة الوفد
تبرير الأحكام العرفية
ضرب الحركة الوطنية
التقييم: محتمل
السبب:
الحكومة سقطت بعد أيام.
الملك فاروق استعاد سلطات أوسع.
لكن لا وثائق حاسمة تثبت التنفيذ المباشر.
3️⃣ تورّط أجهزة بريطانية (مباشر أو غير مباشر)
الرأي: بريطانيا أرادت:
إثبات أن مصر غير قادرة على الحكم
ضرب الاقتصاد والمصالح الأجنبية لإحداث فوضى
التقييم: محتمل جزئيًا
السبب:
التوقيت يخدم المصالح البريطانية.
لكن لا دليل مباشر على التنفيذ.
4️⃣ جماعات سياسية داخلية (إخوان – شيوعيين – تنظيمات سرية)
الرأي: جماعات استغلت الفوضى.
التقييم: ضعيف إلى مرفوض
السبب:
التحقيقات البريطانية نفسها لم تثبت تورط الإخوان.
لا دلائل تنظيمية أو اعترافات موثقة.
5️⃣ تورّط عناصر داخل جهاز الدولة (شرطة / أمن)
الرأي: عناصر سمحت أو سهلت الحريق.
التقييم: الأرجح تاريخيًا
السبب:
الانسحاب الأمني المفاجئ.
عدم حماية وسط العاصمة.
عدم محاسبة أي مسؤول بعد الحادث.
كثير من المؤرخين يميلون إلى أن الحريق تم بعلم أو تغاضٍ من داخل الدولة، لا بالضرورة بأمر مباشر مكتوب، بل بتواطؤ وصمت.
الخلاصة التاريخية الدقيقة
القاهرة لم تُحرق بيد واحدة، بل أُحرقت في مناخ سياسي فاسد، بتواطؤ، وإهمال متعمد، وصراع على السلطة.
ويمكن صياغتها أكاديميًا هكذا:
حريق القاهرة كان نتيجة تفاعل معقد بين غضب شعبي مشروع، وصراع سياسي حاد، وتراخٍ أمني متعمد، دون أن تُثبت مسؤولية جهة واحدة بشكل قاطع.
جملة تلخص الموقف
اللغز الحقيقي ليس من أشعل النار، بل من تركها تحترق.
هل كان لتنظيم الضباط الأحرار يد في حريق القاهرة 1952
الخلاصة المختصرة
لا يوجد أي دليل تاريخي أو وثيقة موثوقة تُثبت أن تنظيم الضباط الأحرار خطط أو نفّذ حريق القاهرة.
لكن…
هناك نقاش أكاديمي حول “الاستفادة” لا “التنفيذ”.
خلّينا نفصل بهدوء
أولًا: الوضع الحقيقي لتنظيم الضباط الأحرار وقت الحريق
يناير 1952:
التنظيم كان صغيرًا وسريًا جدًا
لا يملك أدوات جماهيرية
لا يسيطر على الشرطة أو الأمن
لم يكن جاهزًا بعد للاستيلاء على الحكم (التحرك تم بعد 6 شهور)
تنظيم بهذه الحالة لا يملك القدرة اللوجستية ولا السياسية لتنفيذ حريق منسق بهذا الحجم في قلب العاصمة.
ثانيًا: هل ذُكر اسم الضباط الأحرار في أي تحقيق؟
لا في التحقيقات المصرية
لا في التقارير البريطانية
لا في مذكرات السياسيين المعاصرين
ولا حتى في شهادات خصومهم
ولا شهادة واحدة مباشرة أو غير مباشرة تربطهم بالحريق.
وده مهم جدًا أكاديميًا.
ثالثًا: لماذا ظهرت هذه الشبهة إذًا؟
لسببين رئيسيين:
1️⃣ لأنهم استفادوا سياسيًا بعد الحريق
سقطت حكومة الوفد
اهتز النظام الملكي
تآكلت شرعية الدولة
زاد الإحساس بالفوضى
وده مهّد نفسيًا لقبول فكرة “التغيير الجذري” بعد شهور.
لكن:
الاستفادة من الحدث ≠ صناعته
2️⃣ لأنهم كانوا معارضين للنظام القائم
وفي التاريخ دايمًا:
أي قوة تغيّر النظام
يُعاد تحميلها مسؤولية كل ما سبقه
وده خطأ منهجي في البحث التاريخي.
رابعًا: ماذا قال مؤرخون جادّون؟
معظم المؤرخين الكبار (مصريين وأجانب) يذهبون إلى أن:
الحريق وقع قبل أن يصبح الضباط الأحرار قوة فاعلة
التخطيط كان على مستوى أعلى من قدرتهم وقتها
المسؤولية الأرجح تقع في تراخٍ أو تواطؤ داخل أجهزة الدولة الملكية
خامسًا: التقييم الأكاديمي النهائي
لاتوجد أدلة تاريخية موثقة تشير إلى تورط تنظيم الضباط الأحرار في التخطيط أو التنفيذ المباشر لحريق القاهرة 1952، غير أن النتائج السياسية للحريق أسهمت في تهيئة المناخ العام الذي استفادت منه الحركة لاحقًا عند قيام ثورة يوليو.هل الملك فاروق هو من أحرق القاهرة؟
الإجابة التاريخية المحايدة: لا يوجد دليل تاريخي قاطع يثبت أن الملك فاروق أمر بإحراق القاهرة.
لكن…
هذا لا يعني أنه بريء سياسيًا من المسؤولية.
وده الفرق المهم بين الفاعل والمسؤول.
خلّيني أوضح بهدوء
1️⃣ هل أعطى الملك أمرًا بالحريق
لا توجد وثيقة واحدة، ولا شهادة موثوقة، ولا اعتراف، تقول إن الملك أصدر أمرًا بالحريق.
ولا:
محاضر مجلس وزراء
مذكرات ضباط
وثائق بريطانية
أو حتى روايات خصومه
تاريخيًا: اتهام الملك بالحرق المباشر = غير مثبت.
2️⃣ طيب لماذا يُتهم الملك إذن
لأن هناك مسؤولية سياسية غير مباشرة:
يوم الحريق (26 يناير 1952):
الملك كان الحاكم الفعلي
الحكومة ضعيفة
الأمن انسحب بشكل غامض
الجيش لم يتدخل
القصر لم يصدر أوامر حاسمة الدولة شُلّت بالكامل في ساعات معدودة.
وده لا يحصل صدفة.
3️⃣ ما السيناريو الأقرب للمؤرخين
أغلب الدراسات الجادة تميل إلى هذا التفسير:
الحريق كان نتيجة صراع داخل السلطة، لا قرارًا من الملك ولا ثورة شعبية ولا مؤامرة تنظيم واحد.
بمعنى
القصر
الحكومة
أجهزة الأمن
الإنجليز
قوى داخل الجيش
كلهم كانوا في حالة:
شلل
صراع
تواطؤ بالصمت
أو انتظار اللي هيكسب
الملك لم يُشعل النار، لكنه ترك البيت يحترق.
4️⃣ هل كان في مصلحة الملك حرق القاهرة؟
بصراحة تاريخية: لا.
الحريق:
دمّر سمعته داخليًا
عجّل بسقوطه
أعطى مبررًا أخلاقيًا للضباط الأحرار
أظهره عاجزًا لا متآمرًا
المستفيد الحقيقي:
من أراد إسقاط النظام الملكي
أو إعادة ترتيب السلطة
أو فرض واقع جديد بالقوة
5️⃣ الخلاصة الأكاديمية الصالحة للنشر
لا يوجد دليل تاريخي يثبت أن الملك فاروق أمر بإحراق القاهرة، لكن الحريق كشف انهيار الدولة في عهده، وجعل القصر شريكًا في المسؤولية السياسية بحكم العجز والصمت، لا بحكم الفعل المباشر.
وجملة تقيلة
القاهرة لم تحترق بأمر ملك، بل احترقت لأن الدولة كانت بلا قرار.
حريق القاهرة كان نتيجة صراع داخل السلطة الملكية، لكنه لم يكن السبب الوحيد.
الشرح
أولًا هل كانت السلطة الملكية في حالة صراع
نعم، وبشكل حاد جدًا.
قبل الحريق كانت مصر تعيش:
صراع بين الملك فاروق وحزب الوفد
حكومات بتسقط كل شهور
انقسام داخل القصر نفسه
جهاز دولة مشلول
احتلال بريطاني ضاغط
الدولة كانت مفككة من الداخل.
ثانيًا: كيف يرتبط الصراع بالحريق؟
الحريق كشف 3 حقائق خطيرة
1️⃣ غياب القرار
لا أوامر واضحة للشرطة
لا تدخل فوري من الجيش
القصر والحكومة كل واحد مستني التاني
هذا اسمه شلل سلطة.
2️⃣ استخدام الفوضى كسلاح
في الصراعات السياسية:
الفوضى بتُستخدم لتصفية حسابات
أو لإسقاط خصم سياسي
أو لفرض واقع جديد
بعض الأطراف داخل السلطة:
استفادت من انهيار الأمن
ولم تسعَ بجدية لمنعه
3️⃣ تحميل المسؤولية للآخر
بعد الحريق:
القصر اتهم الحكومة
الحكومة اتهمت القصر
ولا حد تحمّل المسؤولية وهذا دليل إن المركز نفسه كان متصدّعًا.
ثالثًا: هل القصر خطّط للحريق؟
لا يوجد دليل تاريخي قاطع يثبت أن الملك فاروق أمر بالحريق.
لكن توجد قرائن قوية على:
الإهمال المتعمّد
أو السماح بانفلات الأمن
أو العجز الناتج عن الصراع
الفرق كبير بين:
أن تشعل النار بيدك و أن تترك المدينة تحترق وأنت قادر على إيقافها
رابعًا: أين يقف المؤرخون اليوم؟
أغلب الدراسات الحديثة تقول:
الحريق نتاج تداخل ثلاثة عوامل:
غضب شعبي حقيقي
صراع داخل السلطة الملكية
عجز الدولة وانهيار مؤسساتها
الصراع داخل القصر كان العامل الذي منع احتواء الحريق.
خامسًا: الخلاصة النهائية
حريق القاهرة لم يكن مؤامرة واحدة بقدر ما كان نتيجة انهيار السلطة وانقسامها، حيث التقى الغضب الشعبي مع صراع القصر والحكومة، فاحترقت العاصمة في فراغ القرار.



