إلى متى سنظل مثل القطيع
بقلم: امير وليد عوض الرئيس الإقليمي لجريدة زون نيوز جلوبال الدولية في جمهورية مصر العربية
أولًا، لا أعرف من أين أبدأ الحديث، ولا كيف يمكن للكلمات أن تُنصف ما يعتصر الصدر. فهذه هي المرة الأولى التي يعجز فيها قلمي عن ترجمة ما أشعر به.
اليوم لا نتحدث عن حدثٍ عابر، بل عن كارثة بشعة… كارثة اسمها الصمت.
صمت العرب،
وصمت الحق،
وصمت الضمير تجاه إخوتنا.
هل يُعقل ما نراه بأعيننا؟
وهل يمكن للعالم أن يرى كل هذا الألم ثم يلوذ بالصمت؟
لهذا، لا أريد الإكثار من الحديث، وأترككم مع كلمات لم تُكتب بالحبر، بل كُتبت بدموع العين… كلمات رولا، ابنة الشهيد:
أنا رولا، ابنة شهيد… سأروي لكم قصتي، وقصة أبي.
كان أبي يسعدنا في كل لحظة من لحظات حياتنا. كان لنا بيت، وأب، وعائلة. كنا نعيش كما يعيش البعض في سعادة وحب.
كان أبي يضحكنا، يجلس معنا، ويقص علينا الحكايات. كان بطل الحكاية والرواية، بطلًا حقيقيًا، لا بطلًا في كتاب.
ثم جاءت الحرب…
شردتنا، وكتب علينا النزوح اثنتي عشرة مرة. كانت أيامًا مُرّة، وانتقلنا بعد قصف بيتنا إلى خيمة. تذوقنا مرارة المجاعة، ومرارة النزوح من مكان إلى آخر. لم نعرف يومًا معنى الاستقرار.
في المرة الأخيرة من نزوحنا، من منطقة الشجاعية إلى منطقة الصحابة، كان أبي يبحث عن لقمة عيش، أو كيلو طحين ليطعمنا.
كان يفكر كيف يلملم جوعنا؟
كنا نتضور جوعًا، وهو يتضور معنا.
فجأة، جاءنا اتصال يخبرنا أن أبي قد استشهد، لكننا في تلك اللحظة لم نؤكد الخبر.
ثم جاء الاتصال الثاني ليؤكد لنا استشهاده.
طائرة «زنانة» باغتته مع اثنين من خيرة شبابنا، فقتلتهم جميعًا.
كان أبي في المنتصف.
لم يبقَ في جسده موضع إلا وأصابته الشظايا: في رأسه، وعينه، وجسده.
ركضنا جميعًا إلى مستشفى المعمداني، ورأيناه في كفنه.
سبقت دموعنا ركضنا إليه في وداعه الأخير.
التففنا حوله وبكينا، وأذكر أننا أنشدنا له أنشودة «قمر الشهيد»، فقد كان قمرًا بالفعل.
خرجت له جنازة مهيبة،
ودُفن أبي…
ودُفنت الحياة معه.
ليس لنا من سبيل إلا الصبر، ونحن في انتظار وعد الله:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
هذا ليس مجرد مقال…
بل صرخة، وشهادة، ودمعة في وجه الصمت.