مقالات الرأي

غزة تحت المطر: انهيار المنازل بين القصف والفقر والمطر

الشتاء يكشف هشاشة البيوت المدمرة ويهدد حياة السكان بلا حلول إعادة إعمار أو بدائل آمنة

انهيار البيوت في غزة: حين تسقط الجدران بفعل القصف والشتاء معًا

بقلم: حنان هاني الطول

في كل منخفض جوي يضرب قطاع غزة، لا يكون المطر وحده ضيفًا ثقيلًا على السكان، بل يتحول إلى عامل إضافي يكشف هشاشة ما تبقى من بيوت أنهكها القصف وأُهملت لسنوات دون إعادة إعمار. خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت مناطق متفرقة من قطاع غزة انهيارات مفاجئة لمنازل مأهولة، سقط بعضها على رؤوس ساكنيها، في مشهد يعكس تداخلًا خطيرًا بين آثار الحرب وقسوة الظروف الجوية وغياب الحلول الجذرية.

منازل متصدعة لم تصمد أمام المطر

البيوت التي انهارت لم تكن جديدة، ولم تُبنَ وفق معايير هندسية سليمة في الأصل، بل هي منازل متضررة جزئيًا من قصف سابق، أُجبر أصحابها على العودة للسكن فيها لعدم وجود بديل. شقوق واضحة في الأعمدة، أسقف ضعيفة، وحديد تسليح مكشوف، كلها مؤشرات كانت تنذر بالخطر، لكن الفقر، والنزوح، وانعدام المأوى دفعت العائلات للمغامرة بحياتها داخل هذه الجدران المتعبة.

ومع أول موجة أمطار غزيرة، تسربت المياه إلى داخل الجدران والأساسات، ما أدى إلى تآكل ما تبقى من تماسك البناء، لتنهار بعض المنازل فجأة، خاصة في ساعات الليل أو الفجر، حين يكون السكان نائمين.

القصف هو الجذر… والشتاء هو القشة الأخيرة

لا يمكن فصل ما يحدث اليوم عن سياق الدمار الواسع الذي تعرض له القطاع خلال جولات القصف المتكررة. آلاف المنازل أصيبت بأضرار إنشائية عميقة لم تُرمم، إما بسبب عدم توفر مواد البناء، أو بسبب القيود المفروضة على إدخالها، أو بسبب العجز المالي الكامل للأسر المتضررة.

المنخفضات الجوية لم تكن السبب الرئيسي للانهيار، لكنها شكّلت العامل الذي عجّل بالسقوط. فالمبنى المتماسك يمكنه مقاومة المطر، أما المبنى الذي أصابته القذائف واهتزت أعمدته، فإن الأمطار تحوله إلى خطر داهم على من بداخله.

ضحايا بلا أرقام نهائية

في عدد من الحوادث الأخيرة، سجلت إصابات ووفيات نتيجة انهيار منازل مأهولة، إضافة إلى عائلات فقدت ما تبقى لها من مأوى، لتنضم إلى طوابير النازحين داخل القطاع نفسه. المشكلة أن الأرقام تتغير باستمرار، في ظل استمرار الانهيارات، وضعف إمكانيات الرصد، وتكرار الحوادث مع كل منخفض جوي جديد.

إلى جانب ذلك، تضررت آلاف الخيام التي تأوي نازحين، وغرقت بعضها بمياه الأمطار، ما دفع بعض العائلات إلى العودة قسرًا إلى بيوت متضررة، رغم علمها بخطورتها، في حلقة مغلقة من الخطر.

لا إعادة إعمار… ولا بدائل آمنة

رغم مرور وقت طويل على تدمير هذه المنازل، لم تبدأ عملية إعادة إعمار حقيقية. كثير من البيوت المصنفة “آيلة للسقوط” لا تزال مأهولة، لأن أصحابها لا يملكون خيارًا آخر. لا مساكن مؤقتة كافية، ولا مواد ترميم، ولا خطط واضحة لإخلاء السكان من المباني الخطرة.

هذا الفراغ في الحلول جعل الشتاء يتحول من فصل طبيعي إلى تهديد مباشر للحياة، وجعل المطر أداة جديدة لحصد الأرواح، دون أن يكون هو الجاني الحقيقي.

شهادات من قلب المأساة

أحد السكان وصف لحظة الانهيار قائلًا إن أصوات تكسّر الحديد داخل الأعمدة سبقت سقوط السقف بدقائق، بينما كانت العائلة تحاول الاحتماء في زاوية المنزل. آخرون تحدثوا عن تشققات اتسعت فجأة مع الأمطار، وعن جدران سقطت دون إنذار.

هذه الشهادات تتكرر في أكثر من منطقة، وتكشف أن ما يحدث ليس حوادث فردية، بل ظاهرة متوقعة في ظل الواقع القائم.

بين الإهمال والكارثة القادمة

ما تشهده غزة اليوم ليس كارثة طبيعية، بل نتيجة تراكمية لسياسات التدمير، وغياب الإعمار، وترك الناس يعيشون داخل بيوت لا تصلح للسكن. استمرار هذا الوضع يعني أن كل منخفض جوي قادم قد يحمل معه ضحايا جددًا، وانهيارات جديدة، في صمت شبه كامل.

إن إنقاذ الأرواح لا يبدأ بعد انهيار البيوت، بل قبل ذلك، عبر إخلاء المنازل الخطرة، والسماح بإعادة الإعمار، وتوفير مساكن مؤقتة حقيقية، بدل ترك السكان يواجهون الموت بين جدران متصدعة ومطر لا يرحم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى