
بقلم: حسين أبوالمجد حسن
في زمنٍ تتشابه فيه الأخبار وتفقد الكلمات قدرتها على الصدمة، تخرج بعض الأعمال الأدبية لتُعيد للكلمة هيبتها، وللرواية دورها الحقيقي: أن تكون شاهدًا على العصر، وضميرًا إنسانيًا حيًّا لا يقبل التزييف.
ومن بين هذه الأعمال، تبرز رواية «من تحت الركام نبعث» للكاتبة نداء عبد العزيز رزق، الصادرة عن دار لقمان للنشر والتوزيع، كعملٍ أدبيٍّ يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليصبح وثيقة شعورية عن الإنسان الفلسطيني في لحظة اختبار وجودي قاسٍ.
رواية من قلب الجرح لا من هامشه
لا تكتب نداء عبد العزيز رزق عن الحرب بوصفها حدثًا عابرًا، ولا تتعامل مع غزة كعنوانٍ خبريٍّ أو خلفية مأساوية؛ بل تجعلها كائنًا حيًّا، يتنفس، ينزف، ويقاوم.
في «من تحت الركام نبعث» لا نقرأ عن القصف فقط، بل نسمع صدى الأرواح تحت الأنقاض، ونلمس ارتجاف الذاكرة وهي تحاول النجاة من ثقل الفقد.
الرواية تتبع فتاة فلسطينية تبدأ رحلتها من لحظة انتصارٍ جماعي، قبل أن تجد نفسها في قلب كابوسٍ يبتلع البيوت والعائلات والأحلام. وبين النزوح والدمار، لا تبحث البطلة عن البطولة التقليدية، بل عن معنى البقاء… لأن البقاء هنا ليس ضعفًا، بل شكلٌ راقٍ من أشكال المقاومة.
نداء عبد العزيز رزق… صوت أنثوي يكتب بجرأة وصدق
تثبت الكاتبة نداء عبد العزيز رزق في هذا العمل أنها لا تكتب من موقع المتفرج، بل من موقع الشاهد الذي يدرك خطورة الكلمة ومسؤوليتها. لغتها مشحونة بالعاطفة دون ابتذال، عميقة دون تعقيد، وتوازن بذكاء بين الشعرية والواقعية القاسية.
نجحت الكاتبة في طرح أسئلة وجودية مؤلمة: هل يمكن للإنسان أن ينجو من النار… ثم يُهزم أمام الذاكرة؟
وهل يمكن للركام أن يتحول إلى رحمٍ يولد منه أمل جديد؟
هي أسئلة لا تُطرح للزينة الفكرية، بل تُزرع في قلب السرد، لتظل تلاحق القارئ حتى بعد إغلاق الكتاب.
دار لقمان… رهان واعٍ على الأدب الجاد
يأتي صدور الرواية عن دار لقمان للنشر والتوزيع ليؤكد توجه الدار نحو دعم الأعمال التي تحمل قيمة فكرية وإنسانية، لا تلك التي تراهن فقط على الرواج السريع.
اختيار هذا النص تحديدًا يعكس وعيًا بدور النشر الحقيقي: صناعة الوعي، لا مجرد طباعة الكتب.
دار لقمان لا تقدم رواية عادية إلى القارئ، بل تضع بين يديه عملًا يليق بأن يكون جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية في واحدة من أكثر لحظات التاريخ العربي إيلامًا.
رواية تُقرأ بالقلب قبل العين
«من تحت الركام نبعث» ليست رواية للترفيه، بل تجربة إنسانية كاملة. عمل يُقرأ ببطء، ويُشعر القارئ أنه شريك في الألم، ومسؤول عن حمل الشهادة.
إنها رواية عن الإنسان حين يُجرد من كل شيء… إلا إيمانه، وصبره، وقدرته المذهلة على النهوض من تحت الركام.
في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، لن تكون هذه الرواية مجرد عنوان على رف، بل صوتًا عاليًا يقول:
نعم… قد يُهدم كل شيء،
لكن الأرواح التي قررت الحياة… لا تُهزم.




