
بقلم // حنان هاني الطول
في الوقت الذي كان من المفترض أن تشكّل فيه الهدنة متنفسًا إنسانيًا يخفف من معاناة المدنيين في قطاع غزة، تتواصل اختراقاتها المتكررة والمتواصلة بحق أبناء الشعب الغزي، لتتحول هذه الهدنة إلى غطاء هشّ لا يوفّر أي حماية حقيقية، ولا يوقف نزيف الدم المستمر.
فمنذ الإعلان عنها، لم تتوقف الاعتداءات، سواء بالقصف المتقطع، أو استهداف المناطق السكنية، أو إطلاق النار على المدنيين، ما أدى إلى سقوط المزيد من الشهداء والجرحى، في مشهد يعكس استهتارًا صارخًا بالقانون الدولي الإنساني وبكل المواثيق التي تنص على حماية المدنيين أثناء النزاعات.
وتتضاعف خطورة هذه الاختراقات في ظل واقع صحي كارثي يعيشه القطاع، حيث تشهد المنظومة الطبية انهيارًا شبه كامل. فالمشافي القليلة التي ما زالت تعمل تعاني من اكتظاظ شديد يفوق طاقتها الاستيعابية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية، والمستلزمات الطبية، وأدوات الجراحة، وانقطاع الكهرباء، وشح الوقود اللازم لتشغيل الأجهزة الطبية الحيوية.
داخل أقسام الطوارئ، يرقد الجرحى على الأرض وفي الممرات، بعضهم ينزف لساعات دون أن يتلقى الحد الأدنى من العلاج، فيما يُجبر الأطباء والطواقم الطبية على اتخاذ قرارات قاسية بالمفاضلة بين المصابين، في ظل إمكانيات شبه معدومة. أطفال مبتورو الأطراف، نساء مصابات بلا أسرّة، ومسعفون يعملون بأدوات بدائية في سباق يومي مع الموت.
ورغم وضوح هذه الجرائم وتوثيقها بالصوت والصورة، يغيب العالم عن المشهد، ويستمر الصمت الدولي المريب. مؤسسات حقوق الإنسان، التي طالما رفعت شعارات حماية المدنيين والدفاع عن حق الإنسان في الحياة والعلاج، تقف اليوم عاجزة أو صامتة أمام ما يجري في غزة، وكأن الدم الفلسطيني خارج نطاق الاهتمام الإنساني.
إن هذا الغياب لا يقل خطورة عن القصف نفسه، فالصمت الدولي يمنح الضوء الأخضر لاستمرار الجرائم، ويحوّل اختراق الهدنة إلى ممارسة اعتيادية بلا محاسبة أو مساءلة. فحق الغزي في العلاج، وفي الحياة، وفي الأمان، يُنتهك يوميًا دون أي تحرك فعلي يرقى إلى حجم الكارثة.
ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد خرق لاتفاق هدنة، بل جريمة إنسانية متواصلة تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم، في ظل تراجع واضح لدور القانون الدولي وحقوق الإنسان. ويبقى السؤال مفتوحًا ومؤلمًا: إلى متى سيبقى أبناء الشعب الغزي وحدهم في مواجهة الموت، وإلى متى سيظل الصمت العالمي شريكًا في هذه الجريمة؟



