
من كتاب قل اللهم مالك الملك
تأليف خالد البنا
الفصل الأول السلطة بين السماء والأرض
الصفحة 3: السلطة قبل التاريخ – حين وُلد الحكم مع الإنسان
قبل أن تُكتب القوانين، وقبل أن تُنحت المسلات، وقبل أن تُشيَّد المعابد والقصور، كان الإنسان واقفًا في مواجهة الطبيعة، عاريًا إلا من عقله وخوفه وحاجته إلى البقاء. في تلك اللحظة الأولى من التاريخ الإنساني، وُلدت السلطة دون أن تُسمّى، وظهر الحكم دون أن يُعلن، لا كقرار سياسي، بل كضرورة وجودية.
لم يكن هناك ملوك ولا تيجان، لكن كان هناك من يقود، ومن يُطاع، ومن يُرجع إليه الناس أمرهم في الخوف والجوع والحرب. القائد الأول لم يكن الأقوى جسدًا فقط، بل الأقدر على الفهم، والأكثر حكمة في تقدير الخطر، والأقرب إلى إدراك قوانين الطبيعة والحياة. وهنا، قبل أن يتعلم الإنسان الكتابة، كان يتعلم شيئًا أهم: أن السلطة لا تُنتزع بالقوة وحدها، بل تُمنح لمن يملك القدرة على الحماية والتدبير.
هذه المرحلة البدائية من عمر البشرية تكشف لنا حقيقة عميقة: أن الحكم لم يكن اختراعًا سياسيًا، بل امتدادًا للفطرة. فالناس لم يجتمعوا ليصنعوا سلطة، بل اجتمعوا لأن الحياة فرضت عليهم نظامًا، والنظام احتاج إلى قيادة، والقيادة احتاجت إلى قبول. وهنا، يظهر أول خيط يربط بين السلطة والإرادة العليا؛ فالقائد لم يكن يفرض نفسه دائمًا، بل كان يُختار بفعل الظروف، وكأن اليد الخفية هي التي تُقدّمه إلى الصفوف الأولى.
في المجتمعات الأولى، لم يكن الحكم حقًا دائمًا، بل كان وظيفة مؤقتة. القائد الذي يفشل في الصيد، أو يخطئ في تقدير الخطر، أو يعجز عن حماية جماعته، كان يُستبعد تلقائيًا. لم تكن هناك محاكم ولا ثورات، لكن كان هناك قانون صامت يحكم الجميع: من لا يصلح، يُنزع عنه الدور. وكأن التاريخ المبكر كان يترجم، دون وعي لغوي، معنى: «وتنزع الملك ممن تشاء».
ومع تطور الجماعات البشرية، بدأ الإنسان يربط السلطة بما هو غيبي. لم يكن ذلك جهلًا، بل إدراكًا عميقًا بأن هناك قوة أكبر منه تتحكم في المطر، والخصب، والموت، والحياة. فظهر الشامان، والكاهن، والزعيم الروحي، لا بوصفه حاكمًا سياسيًا، بل وسيطًا بين الأرض والسماء. وهنا بدأت السلطة تكتسب بعدًا مقدسًا، وأصبح الحكم مرتبطًا برضا القوى العليا، لا برغبة البشر وحدهم.
هذا الربط بين السلطة والسماء لم يكن انحرافًا، بل محاولة بدائية لفهم الحقيقة الكبرى: أن الحكم ليس مجرد قرار إنساني، بل انعكاس لإرادة أوسع من الإنسان نفسه. فالمجتمعات الأولى، رغم بساطتها، أدركت أن القائد الذي يُغضب السماء—بظلم أو تجاوز—يجر على قومه الجفاف والهلاك والخراب. ومن هنا، نشأت أول بذور فكرة العدالة كشرط للاستمرار في الحكم.
وإذا تأملنا هذه المرحلة جيدًا، سنجد أن التاريخ لم يبدأ بالملوك، بل بدأ بالمسؤولية. وأن السلطة، في أصلها الأول، لم تكن امتيازًا، بل عبئًا ثقيلًا. القائد لم يكن ينام مطمئنًا، لأنه أول من يُسأل، وأول من يُلام، وأول من يُضحّى به إذا فشلت الجماعة في البقاء.
هكذا، ومنذ اللحظة الأولى، وُلد الحكم مقرونًا بالخطر، والسلطة مرتبطة بالمحاسبة، والقيادة مشروطة بالكفاءة والعدل. وكأن الإنسانية، قبل أن تعرف الفلسفة والسياسة، كانت تعيش المعنى الجوهري للآية الكريمة: أن الملك ليس ملكًا مطلقًا، وأن من يُعطى السلطة قد تُنزع منه في أي لحظة، حين يفقد أهليته، أو ينسى حدود دوره.
في هذه الجذور الأولى، تتضح الحقيقة التي سيكررها التاريخ بأشكال مختلفة: أن السلطة لا تصنع الإنسان، بل تكشفه. وأن من يُمنح الحكم، إنما يُختبر، لا يُكرّم فقط. ومن هنا، تبدأ رحلة السلطة في التحول من ضرورة حياتية، إلى نظام سياسي، إلى دولة، إلى حضارة، دون أن تفقد جوهرها الأول: أنها أمانة، وليست غنيمة.


