
ثنايا الحروف
شعر خالد البنا
أنا لا أكتبُ الحبَّ
كي أُرضي العيون،
ولا أستعيرُ اللهبَ
من مواقدِ الآخرين…
أنا أكتبه
لأن الصمتَ
حين يطول
يصبح خيانة.
أجيءُ إلى الحرفِ
مُتعبًا من التفسير،
أخلعُ عن اللغةِ
معاطفَها الرسمية،
وأتركها
تقفُ أمامي
امرأةً صادقة
لا تعرفُ المجاز.
في ثنايا الحروف
تنامُ المدنُ التي لم تُفتح،
وتبكي الأسماءُ
التي لم تُنطق،
ويكبرُ طفلٌ
اسمه الشغف
كلما حاولوا
اغتياله بالعقل.
أنا لا أؤمنُ
بحبٍّ مؤدّب،
ولا بقصيدةٍ
تستأذنُ قبل أن تدخلَ القلب،
الحبُّ اقتحامٌ نبيل،
والشعرُ
انقلابٌ أبيض
على العادة.
علّموني أن أخافَ الكلمات،
فإذا بي
أحتمي بها،
قالوا:
“الحروفُ خطِرة”
فصدّقتهم،
لأنها وحدها
قادرةٌ
أن تُسقِط عروشَ البرود
دون طلقة.
في ثنايا الحروف
أخفي ضعفي
كقائدٍ عاقل،
وأُظهر قوتي
كعاشقٍ لا يفاوض،
فأنا حين أكتب
لا أُمثّل،
ولا أُجمّل الهزيمة.
يا أيها الحرف،
كن صريحًا
ولو جرحت،
كن ناريًا
ولو احترقت،
فالقصائدُ التي لا تتركُ أثرًا
تشبهُ
خطبَ المجاملة
في جنازات الحقيقة.
وحين أسدلُ ستارَ القصيدة،
لا أبحثُ عن رضا،
ولا أطلبُ غفرانًا،
يكفيني
أن يقفَ المعنى
وحيدًا
في الضوء،
ويعرفَ الجمهور
أن ما قيل
لم يكن شعرًا فقط…
بل موقفًا،
فيصفّق…
لأن الصدق
حين يُقال جيدًا
لا يُناقَش
بل يُصفَّق له.




