
بقلم: حسين أبوالمجد حسن
كاتب وباحث في التاريخ السياسي
هل أتاك خبر يوم الوهيلة؟
ذلك اليوم الذي لم يُدوَّن في كتب التاريخ لكنه شكّل اللحظة الفاصلة التي انتقلت فيها دبي من حكمٍ مقيَّد برقابة عائلية إلى سلطة مطلقة لا تُسأل عمّا تفعل.
يُعرف هذا اليوم في الذاكرة الشعبية باسم «عرس الدم»، وهو اسم يختصر واقعة تأسيس حكمٍ جديد بالعنف، لا بالتوافق.
المجلس الذي وُلد من رحم الغضب
في أعقاب اضطرابات شعبية واسعة شهدتها دبي خلال عشرينيات القرن الماضي، وصلت إلى حد احتلال أجزاء من البلدة والسيطرة على قلاع فيها، اضطر الحاكم آنذاك الشيخ سعيد بن مكتوم—تحت ضغط الأهالي والأعيان—إلى القبول بتشكيل مجلس استشاري عائلي.
تمتع المجلس بصلاحيات رقابية غير مسبوقة في الخليج، شملت:
مراقبة أداء الحاكم
محاسبته على إدارة المال العام
ضمان توزيع عادل للأنشطة التجارية بعد احتكارها من قِبل الحاكم وأسرته
كان المجلس قيدًا مباشرًا على الحكم الفردي.
حاكم لا يثق به حتى حُماته
رغم الولاء المُعلن لبريطانيا، جاءت التقارير البريطانية نفسها قاسية في توصيف الشيخ سعيد بن مكتوم.
فقد وصفته مراسلات الوكلاء السياسيين في الخليج بأنه طماع، بطيء، كسول، يكنز الأموال ولا يُنصف المظلومين، ويؤجل الحقوق إلى «غدٍ لا يأتي».
أما زوجته الشيخة حصة بنت المر الفلاسي، فقد وُصفت في أحد التقارير بأنها «شريرة شديدة النفوذ»، ونُقل عن الوكيل السياسي البريطاني في البحرين أنها صرّحت برغبتها في الحصول على «سُمٍّ إنجليزي».
كما لم يسلم شقيقه جمعة بن مكتوم ولا ابنه راشد بن سعيد من توصيفات مهينة في التقارير نفسها، تعكس نظرة احتقار إداري رغم الاعتماد السياسي.
انقلاب أُجهض… بقرار استعماري
في عام 1929، أجبر أعيان دبي الشيخ سعيد على ترك الحكم، ونُصّب الشيخ مانع بن راشد حاكمًا بديلًا.
لكن الحكم الجديد لم يصمد سوى يوم واحد، إذ تدخلت بريطانيا وأعادت سعيد إلى سدة الحكم، في رسالة صريحة بأن الاستقرار وفق الرؤية الاستعمارية يعلو على إرادة السكان.
الكمين: زفاف يتحول إلى مذبحة
في مارس 1939، دعا الشيخ سعيد أعضاء المجلس الاستشاري وأنصارهم إلى حفل زفاف ابنه راشد.
دخل الضيوف مطمئنين، لكنهم لم يخرجوا كذلك.
بتنسيق بين سعيد بن مكتوم، وشقيقه جمعة، وابنه راشد، وبقوات جرى تجهيزها مسبقًا، انقضّ المسلحون على المدعوين:
قُتل حشر بن راشد آل مكتوم وابنه بيد ابن عمه العريس
سقط عدد من أعضاء المجلس وأنصارهم قتلى
وهنا وُلد عرس الدم.
فقء العيون… لإلغاء الفكرة لا الأشخاص
لم يتوقف الأمر عند القتل.
فقد قُيّد الأسرى، وأُحضر مِخرَز مُحمّى على النار، ثم فُقئت به عيونهم في مشهد هدفه تحطيم فكرة الرقابة ذاتها.
تذكر الروايات أن بعض الضحايا عرضوا 50 ألف روبية مقابل الإبقاء على عين واحدة، لكن الطلب رُفض.
ثم جُرّدوا من ثيابهم، ووُضعوا في قوارب، ورُحّلوا إلى البحرين، قبل إعلان حلّ المجلس الاستشاري نهائيًا.
وهكذا عُرف اليوم تاريخيًا باسم يوم الوهيلة.
مطاردة الناجين وحرق المدينة
نجا الشيخ مانع بن راشد مع قلة من رفاقه، وتنقّلوا بين الشارقة ورأس الخيمة وأبوظبي حتى البريمي.
لكن حتى من آواهم لم يسلم من التهديد والشكوى لدى البريطانيين.
وفي خضم الأحداث:
جرى تسليح قبلي
اشتعلت دبي 12 ساعة متواصلة
أُحرق نحو 800 منزل
نُهبت البلدة بالكامل
ثم صودرت ممتلكات المعارضين، ولم تسلم حتى صنعاء بنت مانع، التي أُجبرت على الزواج من أحد أبناء سعيد، في استكمال لسياسة الإخضاع.
صمت بريطاني ثقيل
حاولت بريطانيا التكتّم على تفاصيل الجريمة، رغم أن بعض مسؤوليها استبشعوا ما جرى إلى حد رفض مصافحة الشيخ سعيد وابنه لفترة.
وتذكر مراسلات أن بعض الأهالي أخذوا يجأرون في المساجد مطالبين بحكم الإنجليز بدل هؤلاء «الوحوش»، وهو ما لم يتعارض مع التوجه الاستعماري لاحقًا.
الخلاصة
لم يكن يوم الوهيلة حادثة عائلية، بل لحظة تأسيس بالعنف أُلغيت فيها الرقابة، وكُسر فيها التوازن، وتحوّل الحكم إلى قبضة مغلقة حمتها المصالح الاستعمارية، ودفع ثمنها مجتمع بأكمله.
المصادر الأجنبية ،:
سجلات مكتب الهند – المكتبة البريطانية (India Office Records – British Library)
تقارير الوكلاء السياسيين في الخليج العربي (1927–1939) حول اضطرابات دبي وتقييم شخصيات الحكم.
اليوميات السياسية لمقيمية الخليج الفارسي (Political Diaries of the Persian Gulf Residency)
توثيق أحداث مارس 1939 وردود الفعل البريطانية الرسمية.
تقارير هيو وايتمان – الوكيل السياسي البريطاني في البحرين (Hugh Weightman Reports)
توصيف حكّام دبي وشكاوى السكان المحليين.
المراسلات السرية للحكومة البريطانية – بومبي (British Confidential Correspondence, Bombay)
عرائض أهالي دبي المرفوعة إلى السلطات البريطانية في الهند.
مجلة «الشرق الأدنى والهند» – لندن (The Near East and India, 1939)


