مقالات الرأي

الحجاج بن يوسف الثقفي.يد من حديد..ولسان من نار

الرجل الذى اقام الدوله بالسيف والكلمه

بقلم: الكاتب حسين أبوالمجد حسن
باحث في الشؤون السياسية والتاريخية
في أزقّة الطائف الضيّقة، عام الجماعة 41 هـ، وُلد طفل من بيوت ثقيف العريقة، اسمه يومها كليب. لم يكن أحد يتخيّل أن هذا الصبي سيكبر ليصبح أحد أكثر رجال التاريخ الإسلامي جدلًا وقوة: الحجاج بن يوسف الثقفي.
نشأ الحجاج في بيت قرآن وعلم. أبوه يوسف الثقفي كان يُعلّم الصبيان كتاب الله بلا أجر، وأمّه امرأة مشهورة بالصلاح. حفظ القرآن صغيرًا، وامتلك لسانًا عربيًا فصيحًا صار لاحقًا سلاحه الأخطر. غير أن داخله كان يموج بطموح لا يهدأ.
لم ترضِه حياة التعليم، فغادر الطائف شابًا إلى دمشق، قلب الخلافة الأموية، في زمنٍ مضطرب عقب وفاة مروان بن الحكم. التحق بالشرطة، فأعاد إليها الانضباط بقبضة حديدية، حتى لفت أنظار قائدها روح بن زنباع، الذي قدّمه إلى الخليفة عبد الملك بن مروان.
وقف الحجاج أمام الخليفة وقال بثقة:
«أنا يدك وسوطك يا أمير المؤمنين».
ومنذ تلك اللحظة بدأ صعوده الصاعق.
شارك في القضاء على مصعب بن الزبير، ثم أُسندت إليه أخطر المهمّات: مكة. حاصر عبد الله بن الزبير وضرب الكعبة بالمنجنيق حتى قُتل ابن الزبير، وعادت الحجاز إلى سلطان الدولة الأموية، في واقعة لا يزال صداها الأخلاقي والسياسي حاضرًا حتى اليوم.
ثم جاء العراق… أرض الفتن.
دخل الحجاج الكوفة وخطب خطبته الشهيرة:
«إني لأرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها… وإني لصاحبها».
فسكنت الاضطرابات، وخضع الناس، واستقرت له الولاية.
وبعد تثبيت الحكم، أعاد الحجاج تشغيل آلة الفتوحات التي توقفت سنوات. اختار القادة بعناية وأطلقهم شرقًا:
قتيبة بن مسلم الباهلي فتح خراسان وما وراء النهر، حتى بلغ تخوم الصين، فدخل الإسلام بخارى وسمرقند، وتحولتا إلى منارات علم وحضارة.
محمد بن القاسم الثقفي، ابن عمه الشاب، فتح بلاد السند وهو في مطلع العشرينات، ناشرًا الإسلام في وادي السند حتى الهند.
لم يكن الحجاج سيفًا فقط، بل كان إداريًا صارمًا.
نظّم الأسواق، منع الفوضى، بنى مدينة واسط، أصلح الزراعة، حفر القنوات، وأقام الجسور والصهاريج.
ومن أعظم إنجازاته: ضبط المصحف الشريف، فأمر بنقط الحروف، ووضع علامات الإعراب، وتوحيد المصاحف، حمايةً لكتاب الله من اللحن والتصحيف.
لكن ذروة الجدل في حياته كانت مع سعيد بن جبير، العالم الزاهد الذي خرج مع ابن الأشعث احتجاجًا على ظلمه.
حوار قصير… وثبات عالم أعزل أمام سلطان جبار.
ثم سيف.
وقبل مقتله، دعا سعيد:
«اللهم لا تسلّطه على أحد بعدي».
لم تمضِ أيام حتى بدأ الحجاج يهذي ليلًا:
«ما لي ولسعيد بن جبير؟!»
وفي 21 رمضان سنة 95 هـ، مات الحجاج في واسط التي بناها بيده.
رحل الرجل… وبقي السؤال.
هل كان الحجاج ضرورة دولة في زمن الفتن؟
أم طاغيةً أسرف في الدماء؟
التاريخ لا يمنح إجابة واحدة…
بل يترك الحكم للقارئ.
الكاتب، يرى أن التاريخ لا يُقرأ للتقديس ولا للإدانة، بل للفهم.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى