من التل الكبير…كيف سقط الخونه وبقي عرابي حيا؟

بقلم كاتب الصعيد/ حسين أبوالمجد حسن
باحث في الشؤون السياسية والتاريخية
في ليلةٍ حالكةٍ من سبتمبر عام 1882، وقف أحمد عرابي في ساحة التل الكبير، والرمال ما زالت دافئة بدماء الجنود، وصوت المدافع يتردّد كصدى نذيرٍ بعيد. مدّ يده بسيفه إلى الجنرال البريطاني سيمور، ببطءٍ يشبه وداع الحلم لا نهايته.
سلّم السيف… لكن عينيه ظلّتا مشتعلة. كان يعلم أن الهزيمة العسكرية لا تعني موت الفكرة، وأن التاريخ لا يُكتب في لحظة انكسار، بل فيما يليها.
في القاهرة، لم يكن عرابي أسيرًا فقط، بل كان فكرةً تمشي على الجدران.
تجمّع الناس أمام سجن باب الخلق، هتفوا باسمه، وكتبوا:
«الله ينصرك يا باشا»
كأن الكلمات تعاويذ ضد الاحتلال. وحين نُفي عرابي ورفاقه إلى جزيرة سيلان، بقي اسمه حيًّا في أفواه البسطاء. قالوا: الغدر كسر عرابي… ولم يقولوا إن الاحتلال هو الذي انتصر، لأنهم فهموا بالفطرة أن الغدر لا يصنع نصرًا.
لكن التاريخ لا ينسى حساباته.
خنفس باشا، الضابط الذي فتح بوابات القلعة للإنجليز ليلًا، ظنّ أن الخيانة طريق مختصر للثراء. وعدوه كثيرًا، ومنحوه القليل. عاش بمعاش هزيل، يطرق أبوابهم فلا تُفتح، ويتجنبه الناس في الطرقات. مات منبوذًا، بلا عزاء، وبلا اسم محترم.
أحمد عبد الغفار، قائد الخيالة، انسحب بفرسانه في لحظة حاسمة، تاركًا رفاقه للنيران. قبض ثمن صمته، لكن زوجته اكتشفت أن الجنيهات لامعة… مزيفة. ضحكت ثم بكت. وبعدها بسنوات، قبض عليه الإنجليز أنفسهم، وسُجن مع من خانهم. هكذا يُكافَأ من يبيع الجميع.
أما مسعود الطحاوي، الذي دلّ الاحتلال على طرق الصحراء، فقد نال ذهبًا وألف فدان. لكنه خسر القبيلة.
في مجالس العرب، تركوا جواره فارغًا. عاش في قصره وحيدًا، يسمع صدى الريح كأنه لعنة. الذهب لم يشترِ احترامًا، والأرض لم تُنبت كرامة.
ومحمد باشا سلطان، رئيس مجلس النواب، ظن أن التعاون مع المحتل سيقوده إلى الوزارة. لكنه انتهى في غرفة مظلمة، يهمس لنفسه:
«أرجو أن يغفر لي عرابي».
اختار الإنجليز غيره، وتركوه غارقًا في ندمٍ لا يُغتفر.
حتى الاحتلال نفسه لم يخرج نظيفًا.
حين قُتل الجاسوسان بالمر وجيل في الصحراء، وصلت وثائقهما إلى الإنجليزي الشريف ويلفريد بلنت، صديق عرابي. قرأ القوائم: رشاوى، وعود كاذبة، وخداع منظم. كتب في التاريخ السري للاحتلال الإنجليزي لمصر:
«هذه حرب لا يمكن لقائد بريطاني أن يفخر بها».
مرت السنوات، وتعاقبت الأجيال، لكن اسم عرابي ظل يُهمس في البيوت، ويُروى في الليالي، حتى جاء عام 1956، وخرج آخر جندي أجنبي من مصر.
يومها فقط، اكتمل المشهد.
وكأن التاريخ قال كلمته الأخيرة بهدوءٍ قاسٍ:
الأبطال قد يُهزمون… لكن لا يُنسَون.
والخونة قد يربحون لحظة… لكنهم يخسرون إلى الأبد.



