حين اختارت الخيول اصحابها ؟

بقلم كاتب الصعيد / حسين أبوالمجد حسن
باحث في الشؤون السياسية والتاريخية
كان الحصان أكثر من مجرد رفيق،
كان ظل الأب يسير معها في كل خطوة،
صهيله يهمس لها بأسرار الطفولة،
وخطواته على الأرض كأنها تعيد رسم العالم كما كان.
حين كانت طفلة،
كان والدها يأخذها إليه،
تضع يدها الصغيرة على عنقه،
ويهمس لها:
— «تعالي يا ابنتي… هذا صديقك الذي لا يخون.»
حتى جاء الليل الذي قلب حياتها رأسًا على عقب،
هب اللصوص،
وانهارت البيوت،
وسقط الأب،
وسقطت الأم،
وغابت الضحكات خلف صهيل سيوفهم.
نجت هي بأعجوبة،
لكن الحصان اختفى،
وأخذوا الذهب وكل ما كان يذكرها بالحب والأمان.
مرت سنة ونصف…
وكانت السنوات كالسكاكين في قلبها،
تعلمت كيف تميّز الخيانة،
وكيف تسمع الصهيل حتى في صمت الصحراء،
وكيف تنتظر اللحظة التي تعود فيها العدالة إلى صهيلها.
وفي سوقٍ بعيد،
بين زحام التجار وصهيل الخيول،
ارتجف قلبها.
هناك، وسط الضجيج…
رأت الحصان.
لم تصرخ، لم تندفع،
بل اقتربت بهدوء، كمن يعرف أن الزمن لا يخطئ.
صاحب الحصان، بوجهه الخشن، تحداها:
— «من يركبه، يأخذ المال.»
ابتسمت الفتاة، ابتسامة لم تُعرف إلا للذين عانوا الفقد،
وقالت بصوتٍ هادئ:
— «أنا أراهن.»
انطلقت الرياح في ساحة السوق،
وصهيل الحصان امتزج بصوت قلبها،
ارتعش تحت يدها،
وانحنى كما لو أنه يقول:
— «أعرفك، لا تخافي… لن أخونك.»
صعدت عليه،
لا حاجة للعصا، لا حاجة للغضب…
فالماضي يعرف طريقه إلى الحاضر،
وكل دمٍ مسفوك، كل دمعةٍ ذهبت سدى،
أصبحت اليوم قوة في صهيلها.
انطلق الحصان،
كأنه يركض عبر الزمن،
يعيد للفتاة حقها،
ويكشف الخونة على مرأى الجميع.
توقّف أخيرًا،
ووضعت رأسه على كتفها.
في تلك اللحظة،
عرف القتلة أن العدالة تأتي في صهيل لا يخون،
وعرفت الفتاة أن الخيول، أحيانًا، تختار أصحابها…
والأصحاب، أحيانًا، لا ينسون صهيلها.



