حوادث وقضايا

فكر الدم… لماذا تذبح جماعات الإسلام السياسي خصومها؟

فكر الدم… لماذا تذبح جماعات الإسلام السياسي خصومها؟


تحليل صحفي – إعداد: خالد البنا

 

 

المقدمة: حين يتحول الدين إلى مشهد دموي

 

منذ صعود الجماعات المتطرفة إلى الساحة العربية والإسلامية، شاهد العالم مشاهد مروعة:

جنود يُذبحون بالسكاكين، مدنيون يُقتلون أمام الكاميرا، ورؤوس تُرفع في الهواء باسم “الله أكبر”.

لكن السؤال الذي لا يكفّ عن الطرح:

لماذا تلجأ هذه الجماعات إلى القتل الوحشي، وتوثيقه بالفيديو؟

هل هو فكر عقائدي؟ أم خطاب سياسي؟ أم مرض نفسي جماعي يرتدي عباءة الدين؟

 

 

أولًا: الجذور الفكرية – فقه التكفير والعدو الداخلي

 

تنطلق جماعات الإسلام السياسي المتشددة من مبدأ التكفير، أي الحكم بخروج الآخرين من الإسلام.

وبمجرد أن يُكفَّر الخصم، يصبح قتله “جهادًا” لا جريمة.

يرجع هذا الفكر إلى قراءات متطرفة للنصوص، خصوصًا ما ورد في كتابات سيد قطب حول “الحاكمية” و“الجاهلية المعاصرة”، ثم تبنّتها جماعات مثل القاعدة وداعش.

 

يقول الباحث في الفكر الإسلامي محمد أركون:

 

> “التكفير هو نزع الإنسانية قبل نزع الحياة. حين يسقط عنك وصف المسلم، تسقط عنك حرمة الدم، فيتحول القاتل إلى مجاهد، والمقتول إلى كافر.”

 

 

ثانيًا: المعنى السياسي – السلاح كأداة دعاية

 

ليست مشاهد الذبح مجرد جرائم، بل هي رسائل سياسية مدروسة.

الجماعات المسلحة تدرك أن صورة واحدة أقوى من ألف بيان.

هي تريد بثّ الخوف في نفوس الجنود والشعوب، وتريد أن تقول للعالم: نحن نملك الشجاعة والإيمان حتى آخر قطرة دم.

 

يقول الخبير الأمني حسام عبدالعليم:

 

> “فيديو الذبح عند الجماعات المتطرفة ليس فعلاً عشوائيًا، بل إنتاج إعلامي محسوب يهدف إلى صناعة رهبة نفسية عند الخصوم وجذب المتعاطفين الباحثين عن القوة والبطولة الزائفة.”

 

 

ثالثًا: فقه الدم… حين يُحرَّف الدين لخدمة السلطة

 

هذه الجماعات تعتمد على ما يسمى بـ“فقه الدم”، وهو استخدام النصوص الدينية المبتورة لتبرير القتل.

تأخذ من القرآن آيات القتال وتغفل آيات الرحمة، وتختصر الدين كله في “الولاء والبراء”.

ففي فكرها، الجندي الوطني “مرتد”، والشيعي “كافر”، والمسيحي “عدو”، والمرأة “عورة”.

هكذا يتحول الدين إلى سكين، والشعار إلى تبرير للجريمة.

 

يقول المفكر المغربي محمد عابد الجابري:

 

> “أخطر ما تفعله هذه الجماعات هو تحويل النص من وسيلة هداية إلى أداة سلطة، ومن رحمة إلى قسوة.”

 

 

رابعًا: نفسية القاتل… من الضحية إلى الجلاد

 

من منظور علم النفس، كثير من المنضمين إلى هذه الجماعات يعانون من إحباطات اجتماعية ونقصٍ في الهوية.

يجد أحدهم في “الجماعة” شعورًا بالقيمة والانتماء، وفي القتل شعورًا بالقوة والتفوق.

الدم يصبح وسيلة لإثبات الوجود، والذبح يصبح طقسًا رمزيًا للانتصار على “الضعف الداخلي”.

 

تقول عالمة النفس الفرنسية آن ماري دولاك:

 

> “القاتل الجهادي لا يذبح عدوه فقط، بل يذبح داخله كل شعور بالعجز والهامشية.”

 

 

خامسًا: لماذا التوثيق بالفيديو؟

 

1. الدعاية والتجنيد

 

يُستخدم الفيديو لتجنيد الشباب عبر الإنترنت، خصوصًا أولئك الباحثين عن معنى أو بطولة.

يُقدَّم القتل في هذه المقاطع كعمل بطولي مقدّس، يصنع من القاتل “شهيدًا” ومن المشهد “نصرًا”.

 

2. الحرب النفسية

 

الذبح المصوَّر يوجّه رسالة إلى الخصوم:

 

> “نحن لا نخاف الموت، بل نصنعه بأيدينا.”

الهدف هو كسر الروح المعنوية للجيش الوطني وزعزعة ثقته بنفسه.

 

3. التوثيق العقائدي

 

ترى بعض الجماعات أن تصوير الجريمة “توثيق لشهادة” أو “دليل على الإيمان”، وكأنها تقدمها كعمل تعبدي، في اختلال خطير بين المقدّس والمجرم.

 

 

سادسًا: من الفكر إلى المرض

 

حين يصبح العنف عبادة، يتحوّل الفكر إلى مرضٍ عقلي جماعي.

هذه الجماعات لم تعد تقاتل أعداءها فحسب، بل تقاتل العالم كله، لأنها ترى في كل من يخالفها تهديدًا لوجودها.

هكذا يذبحون الجنود الوطنيين لأنهم “يحرسون دولة الطاغوت”، ويقتلون المدنيين لأنهم “يتعاونون مع الكفار”، وكل ذلك بلغة دينية مشوهة.

 

 

الخاتمة: حين يتقدّس الدم يسقط الدين

 

إن جماعات الإسلام السياسي التي تذبح وتوثق جرائمها لا تدافع عن الإسلام، بل تُسيء إليه أعظم إساءة.

فالإسلام الذي نعرفه يقول: “من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا.”

لكنهم جعلوا من القتل فكرًا، ومن الرعب منهجًا، ومن الفيديو سلاحًا.

 

إنها ليست جماعات دينية، بل مؤسسات للعنف باسم الله.

وما لم يُفكك فكرها، سيظلّ الذبح يتكرر بأسماء مختلفة وشعارات متجددة.

 

 

الإرهابي ابومصعب الزرقاوي

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى