آداب وفنون

أول ما كتب القلم

أول ما كتب القلم


….

 

 

بقلم خالد البنا

 

أول ما كتب القلم كتب القلم الله

 

في هذا الذكر ، لا يتكلم الرجل من لسانه، بل من وجدٍ ذاب فيه اسمه حتى لم يبقَ منه إلا صدى النور.

كل كلمة تخرج من فمه ليست إنشاءً بل كشفًا.

فهو يبدأ من أول الوجود: «أول ما كتب القلم كتب القلم الله» — وكأن القلم لم يُخلق ليكتب علمًا ولا تاريخًا، بل ليُعلن الحقيقة الكبرى: أن كل كتابة في الكون هي ترجمة لاسم الله.

وأن كل سطر يُكمل بمحمد، لأنه السطر الذي تجلّى فيه معنى الرحمة.

هنا، تتحد الفكرة بالحب، والمعرفة بالعشق.

فالعارف لا يرى بين الله ومحمد فاصلًا؛ محمد عنده مرآة يرى فيها الله جمالًا لا يُحدّ.

 

ثم يتدرج البلبيسي في الذكر، فيتحول الكلام من السماء إلى الأرض، من التجلي إلى السلوك.

فيقول:

«واللي هتعمله النهارده بكرة أمام الكريم تلقاه»

وهي جملة تُختصر فيها فلسفة القضاء والقدر كما يفهمها الصوفي:

ليس الله ظالمًا ولا غافلًا، بل هو حاضر في كل فعل، وكل نية تُلقى في البحر تعود موجًا يوم الحساب.

إنها دعوة إلى اليقظة، إلى الوعي الأخلاقي الذي يجعل العمل عبادة لا تُرى بالعين، بل تُقاس بالنية.

 

ثم ينتقل إلى مقام الحب النبوي:

«يا آل بيت النبي أنا هانديكم طمعان في نظرة رضا ليا العشم فيكم»

إنه ليس تضرعًا ماديًا، بل انفتاح وجداني.

الصوفي لا يعبد آل البيت، بل يراهم طريقًا إلى الله، لأنهم حفظوا نوره وساروا على هداه.

إنهم “الرحمة الموروثة” كما قال ابن عربي، والعارف يلجأ إليهم كما يلجأ الطفل إلى ظلّ الأم، لا خوفًا، بل شوقًا.

 

ثم تأتي العبارة التي تختصر التجربة كلها:

«قصدت بابك وغير بابك ما قصدتوش»

هنا يصل الذكر إلى لحظة التوحيد.

لقد جرّب الدنيا، وطرق أبواب البشر، وخاب، فعاد إلى الباب الذي لا يُغلق.

باب الله.

والله في فهم الصوفي ليس موجودًا في مكان، بل حاضر في كل مكان، يظهر لمن صدق في قصده.

 

لكن البلبيسي لا يتوقف عند التجلي الروحي، بل ينزل إلى الأرض ليُعيد التوازن بين السماء والسلوك:

«وإذا كنت بتحب حبّ بس لازم تكون حساس، وفتش على روحك قبل ما تفتش ع الناس»

هنا نرى جوهر التصوف العملي:

أن المحبة ليست نشوة، بل تهذيب.

أن الذكر الحقيقي ليس في الصوت العالي، بل في الرفق بالناس.

وأن أول طريق الله يبدأ بمعرفة النفس — لأن النفس مرآة القلب، ومن لم ينظف مرآته لم يرَ النور.

 

ثم تأتي العبارة التي تنضح بالحكمة الشعبية وقداسة الأرض:

«وانظر لبيتك ولا تنظرش لبيوت الناس، واللي ما ترضاهشي على روحك ما ترضاهشي ياخويا ع الناس»

هنا يتكلم الصوفي كفيلسوفٍ اجتماعي.

يُعلّمنا أن الطريق إلى الله لا يمرّ فوق أكتاف الناس، بل بينهم.

أن الأخلاق ليست درسًا يُتلى، بل سلوكًا يُمارس.

فمن لم يرحم الناس لن يرحمه الله، ومن انشغل بعيوب الآخرين، أُغلق قلبه عن النور.

العارف يرى الكون بيتًا واحدًا، والناس سكانه؛

فمن أصلح بيته، أنار الحيّ كله.

 

ثم تأتي الصيحة الساخرة الباكية:

«ياما كان ع الدنيا فتوات قبلنا يقولوا إحنا أحسن ناس، صبحهم رمايم ويدهوسهم عليهم الناس»

هنا يكشف البلبيسي زيف القوة الدنيوية.

الفَتْوَةُ في ظن الجهال سلطةٌ وعضلات، أما عند الصوفي فهي صفحٌ وتواضع.

لقد رأى العارف أن كل من ظن نفسه عظيمًا صار غبارًا، وكل من خضع لله بقي أثره خالدًا.

فالحياة عنده ليست ميدانًا للبطش، بل ساحة للعبور.

والصوفي لا يسعى لأن يكون فتى الحارة، بل فتى القلب — من نصره الله بلين لا بعنف.

 

ويختم حلقة الذكر بخاتمة العارفين:

«وجنة الخلد هايدخلها من الناس الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس»

كأنه يقول: الطريق إلى الجنة ليس طريق الخوف، بل طريق العفو.

من عرف الله، عرف أن الغضب نار تحرق صاحبها قبل أن تحرق غيره.

والصوفي حين يعفو، لا يعفو ضعفًا، بل لأن قلبه امتلأ بالله فلم يعد فيه مكان للكره.

 

 

 خلاصة التحليل:

إن ذكر العربي فرحان البلبيسي ليس إنشادًا شعبيًا، بل وثيقة روحية من وجدان الأرض.

إنه يجمع بين الفلسفة والعاطفة، بين الفناء في الله والقيام بالناس.

فيه السماء تمسك بيد الفلاح، والأخلاق تصعد سلّم الذكر إلى المقام الإلهي.

 

هو صوت من التراب ينادي:

 

“من أراد الله، فليبدأ بنفسه.

ومن أراد الجنة، فليعفُ عن الناس.

فالله لا يسكن في السماء وحدها، بل في قلبٍ ستر، وأحبّ، وعفا.”

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى