مقالات الرأي

مقدمة ابن خلدون العصرية

مقدمة ابن خلدون العصرية


تأليف خالد البنا

الصفحة الحادية عشرة

سقوط الأمم الرقمية… حين يختنق الوعي وسط ضجيج التكنولوجيا

في الماضي كانت الأمم تسقط حين تُهزم في ميادين القتال،

أما اليوم فهي تسقط حين تُهزم في ميادين الوعي.

لم تعد الجيوش تُحتلّ المدن،

بل صارت الشاشات تحتلّ العقول.

لقد دخل الإنسان القرن الواحد والعشرين وهو يظنّ نفسه أحرز النصر الأكبر،

لكنّه لم ينتبه أنه سلّم روحه إلى آلةٍ بلا قلب.

أصبحت المعلومة تُغرقه لا لتُنيره،

وصار الإنسان يعرف كل شيء عن العالم،

ولا يعرف شيئًا عن نفسه.

ابن خلدون لو عاش اليوم،

لكتب فصلًا جديدًا في مقدمته عنوانه: “الاستعمار الرقمي”،

وقال فيه:

 “إن الأمم قد تُخدَر بالكلمات كما كانت تُخدَر بالذهب،

وتُساق بالصور كما كانت تُساق بالسيوف.”

في زمن التكنولوجيا، لم يعد الخطر في الجهل،

بل في فيض المعرفة بلا وعي.

العقل يغرق في التفاصيل، والقلب يضيع بين الأخبار،

حتى يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم.

والأمة التي تفقد بوصلتها الفكرية،

ولو كانت أغناها وأحدثها،

تصير مثل مركبٍ فاخرٍ تاه عن الميناء.

فليست التكنولوجيا عدوًّا،

بل العدو هو غياب المعنى في استخدامها.

إنّ الحضارة الرقمية لا تُقاس بعدد التطبيقات ولا بسرعة الإنترنت،

بل بقدرة الإنسان على أن يبقى إنسانًا وسط هذه الدوّامة.

فإذا تحوّل إلى رقمٍ في قاعدة بيانات،

فقد ذاته قبل أن يفقد وطنه.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى