من بيشكيك إلى القاهرة.. قمة شنغهاى ترسم ملامح عالم جديد وتفتح الطريق أمام مرحلة مختلفة فى العلاقات الدولية

من بيشكيك إلى القاهرة.. قمة شنغهاى ترسم ملامح عالم جديد وتفتح الطريق أمام مرحلة مختلفة فى العلاقات الدولية
كتب: أيمن بحر
لم تكن قمة منظمة شنغهاى للتعاون التى احتضنتها العاصمة القيرغيزية بيشكيك مجرد اجتماع جديد لقادة مجموعة إقليمية تبحث عن مصالح مشتركة بل جاءت في توقيت بالغ الحساسية لتكشف بوضوح أن النظام الدولي يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها فكرة القطب الواحد لصالح عالم أكثر تعددا في مراكز القوة والتأثير
القمة التي انعقدت يومي 31 أغسطس و1 سبتمبر 2026 تزامنت مع الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون وشارك فيها قادة الصين وروسيا والهند وإيران وبقية الدول الأعضاء لتؤكد المنظمة من جديد أنها أصبحت إحدى أهم المنصات التي تجمع قوى آسيوية وإقليمية كبرى على طاولة واحدة لمناقشة قضايا الأمن والطاقة والتجارة والتنمية والاتصال الإقليمي
والأهم أن قمة بيشكيك لم تكتف بالبيانات السياسية التقليدية حيث اعتمد القادة إعلان بيشكيك إلى جانب 28 وثيقة وقرارا تناولت ملفات الأمن والتعاون الاقتصادي والطاقة والعلوم والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والربط بين الدول الأعضاء كما قررت باكستان تولي الرئاسة الدورية للمنظمة خلال الفترة المقبلة
وهنا تظهر الرسالة الأهم
العالم لم يعد يتحرك في اتجاه واحد
فمنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس وغيرها من الأطر الدولية الجديدة تعكس صعود مراكز قوة متعددة تسعى إلى إعادة صياغة قواعد التعاون الدولي بعيدا عن فكرة أن طرفا واحدا يستطيع أن يحدد وحده شكل الاقتصاد العالمي أو طبيعة العلاقات السياسية بين الدول
وهذا لا يعني أن منظمة شنغهاي أصبحت تحالفا عسكريا جديدا أو بديلا مباشرا للنظام الغربي لكنها أصبحت منصة سياسية واقتصادية وأمنية مهمة تستطيع من خلالها دول كبرى مثل الصين وروسيا والهند وإيران وغيرها تنسيق المواقف وبناء مصالح مشتركة والدفع باتجاه نظام دولي أكثر تعددا
وتزداد أهمية هذا التحول عندما ننظر إلى الملفات التي فرضت نفسها على القمة وفي مقدمتها الأمن الإقليمي والإرهاب والتجارة والطاقة والتكنولوجيا وممرات النقل وسلاسل الإمداد وهي ملفات أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق الدولية
وكان الملف الإيراني حاضرا بقوة في أجواء القمة خاصة مع مشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في ظل التوتر الإقليمي المتصاعد حيث أعلنت منظمة شنغهاي موقفا ينتقد الضربات العسكرية على إيران والعقوبات المفروضة عليها وهو ما يكشف أن المنظمة تحاول توظيف ثقلها السياسي في مواجهة الأزمات الدولية والدفع باتجاه حلول سياسية ودبلوماسية
وفي الوقت نفسه كان الحضور الصيني والروسي والهندي لافتا للغاية
الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين واصلا التنسيق الاستراتيجي بين بكين وموسكو حيث أكدا خلال لقائهما على هامش القمة استمرار تطوير العلاقات والتعاون بين البلدين
أما اللقاءات بين القادة الثلاثة شي جين بينغ وفلاديمير بوتين وناريندرا مودي فقد حملت دلالات سياسية مهمة خاصة أن العلاقات الهندية الصينية شهدت خلال السنوات الماضية توترات حدودية وسياسية ورغم ذلك فإن استمرار الحوار بين القوتين الآسيويتين يعكس رغبة في إدارة الخلافات وعدم السماح لها بتحويل التنافس إلى صدام مفتوح
ومن هنا يمكن فهم أهمية منظمة شنغهاي
فهي ليست تحالفا عسكريا بالمعنى التقليدي وليست مؤسسة اقتصادية موحدة مثل بعض التكتلات الدولية لكنها تمثل مساحة واسعة للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي بين دول تمتلك قدرات بشرية واقتصادية وجغرافية هائلة
وتشير تقديرات حديثة إلى أن دول المنظمة تمثل نحو 43 بالمئة من سكان العالم ونحو 23 بالمئة من الاقتصاد العالمي وهو ما يمنحها وزنا كبيرا في أي نقاش حول مستقبل النظام الدولي
لكن الرسالة الأخطر في قمة بيشكيك ليست في حجم الأرقام وحدها وإنما في اتجاه الحركة
الدول الكبرى لم تعد تريد أن تكون مجرد أطراف تتلقى القرارات بل تسعى إلى المشاركة في صناعة القرار الدولي
وهنا تأتي أهمية القاهرة
فزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر بعد قمة بيشكيك لا يمكن النظر إليها بمعزل عن هذا المشهد الدولي المتغير فمصر ليست مجرد دولة عربية أو إفريقية في الحسابات الصينية بل دولة محورية تقع عند نقطة اتصال بين آسيا وإفريقيا وأوروبا وتمتلك موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية وقناة السويس التي تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية
وبالتالي فإن الانتقال من بيشكيك إلى القاهرة يحمل دلالة سياسية واقتصادية مهمة
من قلب آسيا إلى قلب الشرق الأوسط
ومن قمة تبحث مستقبل الأمن والتجارة والطاقة إلى دولة تمتلك مفاتيح جغرافية وسياسية واقتصادية مؤثرة في المنطقة
وهنا تبرز مصر باعتبارها دولة قادرة على التحرك في مساحة واسعة من العلاقات الدولية دون أن تكون أسيرة لمحور واحد
فالقاهرة تمتلك علاقات استراتيجية مع الصين وروسيا والهند ودول الخليج والدول العربية والإفريقية وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا وهو ما يمنحها قدرة مهمة على لعب أدوار الوساطة والتوازن في مرحلة دولية شديدة التعقيد
إن العالم الذي خرج من الحرب العالمية الثانية لم يعد هو العالم الذي نعيشه اليوم
القوى الاقتصادية تتغير
مراكز التصنيع تتغير
طرق التجارة تتغير
وموازين الطاقة تتغير
ومع كل هذه التحولات تظهر الحاجة إلى نظام دولي أكثر قدرة على استيعاب تعدد القوى والمصالح
وقمة شنغهاي في بيشكيك كانت واحدة من أبرز علامات هذا التحول
أما القاهرة فتبقى واحدة من أهم العواصم التي تستطيع قراءة هذا التحول والتعامل معه بواقعية سياسية تحافظ على المصالح المصرية وتدعم الأمن والاستقرار الإقليمى
ومن بيشكيك إلى القاهرة تبدو الصورة أكبر من مجرد قمة وزيارة رسمية
إنها حركة على رقعة شطرنج دولية جديدة
رقعة لم يعد فيها اللاعب واحدا
ولا القرار واحدا
ولا الطريق إلى المستقبل يمر من عاصمة واحدة
العالم يتغير
ومن يقرأ اتجاهات هذا التغيير مبكرا يستطيع أن يحجز لنفسه مكانا مؤثرا فى النظام الدولي القادم




