عندما يصنع الترند إنسانًا… ثم يلتهمه!

عندما يصنع الترند إنسانًا… ثم يلتهمه!
بقلم ممدوح زيدان
هل أصبح الإنسان اليوم يعيش من أجل أن يراه الآخرون؟
سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يكشف واحدة من أخطر الظواهر التي غزت حياتنا دون أن نشعر: الترند.
لم يعد النجاح مرتبطًا دائمًا بالموهبة، ولا الشهرة مرتبطة بالإنجاز، ولا الانتشار دليلًا على القيمة.
أحيانًا يكفي أن تقول شيئًا صادمًا، أو تفعل شيئًا غريبًا، أو تدخل في معركة مفتعلة، لتجد نفسك فجأة في صدارة المشهد.
والأغرب… أن الناس نفسها أصبحت شريكًا في صناعة هذا الواقع.
مقطع سخيف قد يحصد ملايين المشاهدات، بينما يمر محتوى يحمل علمًا أو تجربة أو رسالة مهمة دون أن يلتفت إليه أحد.
وهنا تبدأ المشكلة.
الترند لا يكتفي بصناعة الشهرة… بل بدأ يصنع سلوك الإنسان نفسه.
هناك من أصبح يغيّر شكله، كلامه، ملابسه، آرائه، وحتى حياته الخاصة، بحثًا عن لحظة واحدة على الشاشة.
لحظة قد تمنحه آلاف المتابعين… لكنها قد تسلب منه شيئًا أخطر: خصوصيته وهدوءه وحقيقته.
والكارثة أن الترند سريع جدًا.
اليوم أنت حديث الناس، وغدًا يبحثون عن شخص آخر.
اليوم صورتك تملأ الهواتف، وغدًا قد لا يتذكر أحد اسمك.
فهل تستحق دقائق الشهرة أن يدفع الإنسان ثمنها من كرامته أو حياته أو مستقبله؟
ربما أخطر ما فعله الترند أنه جعل البعض يخلط بين أن تكون مشهورًا وأن تكون مهمًا.
ليس كل من تصدر المشهد مؤثرًا، وليس كل من جمع ملايين المشاهدات صاحب قيمة، وليس كل ما ينتشر يستحق أن يُشاهد.
لكن المسؤولية لا تقع على صانع المحتوى وحده.
نحن أيضًا نصنع الترند.
كل مشاهدة، وكل مشاركة، وكل تعليق، هو تصويت جديد على ما نريد أن نراه في مجتمعنا.
عندما نمنح التفاهة ملايين المشاهدات، فإننا لا نشاهدها فقط… بل نساعدها على الاستمرار.
وعندما نتجاهل المحتوى الحقيقي، فإننا نترك أصحاب الموهبة في الخلفية ونفتح الطريق لمن يجيد صناعة الضجيج.
ربما حان الوقت لنسأل أنفسنا قبل أن نضغط على زر المشاركة:
هل أنا أنشر شيئًا يستحق أن يعيش… أم أساعد شيئًا تافهًا على أن يصبح ترند؟
لأن الترند في النهاية ليس مجرد فيديو ينتشر.
الترند قد يغيّر حياة إنسان… وقد يدمّر حياة إنسان… وقد يخبرنا الكثير عن المجتمع الذي صنعه.


