عرفات الدهشان.. مهندس الأمل الذي انتزع 95.4% من قلب المأساة ووفاءً لروح والده الشهيد

حصريًا لـ جريدة Zone News Global
عرفات الدهشان.. مهندس الأمل الذي انتزع 95.4% من قلب المأساة ووفاءً لروح والده الشهيد
بقلم: محمد عقيل

فلسطين
في غزة، لا تُقاس الإنجازات فقط بأرقام الدرجات المطبوعة على الشهادات، بل بأحجام الجبال من الألم التي يتسلقها أصحابها للوصول إليها. قصة الطالب عرفات حلمي الدهشان هي ملهمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ حيث استطاع اجتياز مرحلة الثانوية العامة (التوجيهي) بنجاح باهر ومعدل مشرف بلغ 95.4% بالفرع العلمي، متغلبًا على مرارة الفقد وقسوة نزوح لا ينتهي.
كان عرفات من الطلاب المتميزين والمشهود لهم بالتفوق في مدرسته، وكان والده -رحمه الله- شديد التعلق به، دائم التفاخر به وبطموحه، ويترقب بلهفة يوم نجاحه قائلًا بثقة: “عرفات هو من سيفرحني ويحقق أعلى المعدلات بإذن الله”.
فاجعة الفقد.. حين يتوقف الزمن

لكن الحرب القاسية لم تمهل تلك الأحلام البسيطة؛ إذ حلّت الفاجعة التي زلزلت حديقة أحلامه، حين استشهد والده، وأعمامه، وجده. غاب السند الأكبر في حياته، ودخل عرفات في حالة عميقة من الحزن والاكتئاب، حتى إنه قرر التخلي عن دراسته وإغلاق كتبه بالكامل، مفضلًا التركيز في العمل لتأمين قوت يومه ونسيان آلامه.
أمام هذه المأساة، لم تستسلم عائلة عرفات، بل كان إصرارهم ومساندتهم له بمثابة طوق النجاة الذي أعاده إلى المضمار؛ فحسم أمره وقرر أن يثور على واقع النزوح والدمار، وأن يخوض المعركة لأجل غاية واحدة: إيفاء وعده لوالده الشهيد وإفراحه في مرقده.
بين نار المخبز وضوء “الكشاف”

خاض عرفات معركة مريرة ينسج فيها ساعات نهاره بليله؛ فقد كان يعمل نهارًا كعامل في “مخبز الدهشان للمخبوزات” ليساعد أسرته تحت وطأة الظروف المعيشية الصعبة، وما إن يحل الليل حتى يستبدل أدوات العمل بكتبه المدرسية، يلتهم صفحاتها على الضوء الشاحب لكشاف هاتفه المحمول، وسط انقطاع تام للكهرباء ومقومات الحياة.
استمر النزوح، وحُزمت الحقائب من جديد نحو مدينة خانيونس، ليعيش عرفات ويبيت في مقر عمله، ينام بين أكياس الطحين والآلات، ويستيقظ ليواصل التحدي بكل عزيمة وصلابة.
“نجحت يا أبي”.. دموع الفرح والمرارة

ومع لحظة إعلان النتائج وظهور الرقم المبهر (95.4%)، ترك عرفات أجواء الفرح والتهاني بين أهله، واعتزل الجميع ليخلو بذكراه مع والده. قام بنشر صورة تجمع بينه وبين أبيه الراحل على مواقع التواصل الاجتماعي، مرفقة بكلمات تدمي القلوب: “نجحت يا أبي بمعدل 95.4%”.
انهار عرفات بالبكاء وافتقد حضن والده الذي كان ينتظر هذه اللحظة بشغف، متمنيًا لو كان بجانبه يشاركه زغاريد الفرح. تظل قصة عرفات الدهشان شاهدة على أن إرادة الشباب الفلسطيني عصية على الكسر، وأن محبة الآباء تظل الشعلة التي تنير ظلمات الركام وتصنع المعجزات.

خاص بـ Zone News Global




