مقالات الرأي

المرآة الحقيقية تبدأ من الداخل

المرآة الحقيقية تبدأ من الداخل

بقلم أيمن بحر
من فينا يعرف عيوبه أكثر من الناس الذين يعيشون حوله
ومن فينا يمتلك الشجاعة الكافية لكي يعترف بعيوبه أمام نفسه قبل أن يعترف بها أمام الآخرين
المشكلة ليست في أن الإنسان لديه عيوب
فكلنا لدينا عيوب ونقائص وأخطاء
لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يعتاد الإنسان أن يغلق عينيه عنها ويبحث دائما عن شماعة يعلق عليها أخطاءه
نحن جميعا نقف أمام المرآة كل يوم ونرى وجوهنا وأشكالنا بوضوح
لكن ماذا لو كانت هناك مرآة أخرى تستطيع أن تكشف لنا حقيقتنا من الداخل
مرآة تقول لك إنك تغضب بسرعة
وإنك أحيانا تكذب على نفسك وعلى الآخرين
وإنك تلوم الناس بدلا من أن تعترف بدورك في الخطأ
وإنك تحتاج إلى أن تتعلم كيف تقول لا
وإنك تخاف من الفشل
وإنك قد تبدو قويا أمام الناس بينما بداخلك الكثير من الخوف والاهتزاز
فهل تمتلك الشجاعة لكي تنظر في هذه المرآة
المرآة الحقيقية ليست وسيلة لجلد الذات أو احتقار النفس
إنها وسيلة للوعي
أن ترى نفسك بصدق حتى تعرف من أين تبدأ وكيف تصلح ما يحتاج إلى إصلاح
وهنا أتذكر قصة شاب اسمه عمر
كان عمر كلما التحق بعمل جديد يبدأ بحماس كبير ثم لا تمر فترة طويلة حتى تحدث مشكلة بينه وبين المدير
كان يقول دائما إن المدير متسلط وإنه لا يفهمه ثم يترك العمل
انتقل إلى مكان آخر
وتكرر الأمر نفسه
مدير جديد ومشكلة جديدة ونهاية متشابهة
وكانت الإجابة دائما عند عمر واحدة
الناس صعبة والمديرون لا يفهمون
وفي يوم سأله أحد أصدقائه سؤالا بسيطا لكنه كان موجعا
هل يعقل أن كل المديرين الذين عملت معهم كانوا مخطئين
صمت عمر
ثم قال له صديقه
لماذا لا تسأل نفسك مرة واحدة ما الذي تفعله أنت ويتسبب في تكرار المشكلة
كانت هذه الجملة بداية مختلفة
فقد جلس عمر مع نفسه واكتشف أنه يغضب عندما ينتقده أحد وأنه يتعامل مع الملاحظات وكأنها هجوم شخصي وأنه لا يحب الاعتراف بخطئه وأنه عندما يشعر بالضغط يفضل الهروب وترك المكان بدلا من مواجهة المشكلة وحلها
لم يصبح عمر إنسانا مثاليا بين يوم وليلة
لكنه أصبح أكثر صدقا مع نفسه
وعندما تعرض لموقف مشابه في عمله الجديد حدث خلاف بالفعل
لكن هذه المرة لم يهرب
توقف وقال لنفسه
ربما أنا أيضا أحتاج إلى أن أتعامل مع الأمر بطريقة مختلفة
وهنا بدأ التغيير الحقيقي
فالإنسان لا يتغير عندما يكتشف أخطاء الآخرين فقط
بل يبدأ التغيير الحقيقي عندما يملك الشجاعة لكي يكتشف أخطاءه هو
وقد وصف الله سبحانه وتعالى سيدنا إدريس عليه السلام بقوله
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ۝ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾
والصدق هنا يفتح أمامنا معنى عظيما
فالصدق ليس فقط أن تكون صادقا في كلامك مع الآخرين
بل أن تكون صادقا مع نفسك أيضا
أن ترى عيوبك دون إنكار
وأن تعترف بأخطائك دون تبرير
وأن تفهم أسباب ضعفك قبل أن تطلب من الآخرين أن يتغيروا
فالارتقاء الحقيقي يبدأ من الداخل
ولا يشترط أن تنتظر حتى يقول لك الناس إنك تغيرت
ابدأ أنت
اجلس مع نفسك واسألها بصدق
ما أكثر صفة تحبها في نفسك
وما أكثر صفة تضايقك في نفسك
ما العادة التي تعرف أنها خاطئة وما زلت تكررها
ما الموقف الذي يتكرر في حياتك وتلوم الآخرين عليه دائما
وما دورك أنت في هذه المشكلة
ولو كنت صادقا تماما مع نفسك فما أول شيء تحتاج إلى تغييره
قد تكون الإجابة مؤلمة
لكنها قد تكون أيضا بداية النجاة
لاحظ
اعترف
افهم
غيّر
ثم ارتق
هذه هي الرحلة الحقيقية للإنسان
وليس المطلوب أن تصبح بلا أخطاء
فالكمال ليس للبشر
المطلوب فقط أن تكون كل يوم أكثر صدقا مع نفسك وأكثر وعيا بأخطائك وأكثر حرصا على إصلاحها
كن صادقا مع ربك
وكن صادقا مع نفسك
واصبر على طريق الإصلاح
فقد لا يلاحظ الناس خطواتك الأولى
وقد لا يعرف أحد كم مرة قاومت غضبك أو راجعت نفسك أو اعترفت بخطئك
لكن الله يعلم
والأهم أنك أنت تعلم أنك بدأت تتغير
فالارتقاء الحقيقي لا يبدأ من الخارج
بل يبدأ من تلك اللحظة التي تقف فيها أمام مرآتك الداخلية دون خوف وتقول لنفسك
نعم لدي عيوب
ونعم أخطأت
لكنني لن أهرب منها بعد اليوم
سأفهمها وأصلحها وأصبح أفضل
لأن أجمل انتصار يمكن أن يحققه الإنسان هو أن ينتصر على عيوبه قبل أن ينشغل بعيوب الآخرين
وخليك دائما صادق مع ربك ومع نفسك
فالصدق مع النفس هو أول طريق الوعي
والوعي هو بداية الإصلاح
والإصلاح هو الطريق إلى الارتقاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى