الحرب الجديدة فى إثيوبيا هل تتحول عفر إلى مفتاح لعزل أديس أبابا عن البحر الأحمر؟
بقلم :أيمن بحر
تعود إثيوبيا مجدداً إلى واجهة المشهد الإقليمى مع اندلاع موجة جديدة من القتال بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات جبهة تحرير تيجراى وحلفائها فى شمال البلاد فى تطور يهدد بإعادة فتح واحدة من أكثر الجبهات تعقيداً فى القرن الإفريقي بعد سنوات قليلة من اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب 2020 ــ 2022.
وخلال الأيام الأخيرة امتدت المواجهات من إقليم تيجراي إلى إقليمي عفر وأمهرة، بينما أعلنت سبع جماعات مسلحة تشكيل تحالف جديد تحت اسم تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء، وهو تحالف أعلن هدفاً سياسياً يتمثل في إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
وتكتسب التطورات الحالية أهمية استثنائية بسبب موقع إقليم عفر ودوره في شبكة النقل والتجارة التي تربط إثيوبيا بميناء جيبوتي والبحر الأحمر.
عفر ليست مجرد ساحة قتال
يقع إقليم عفر في شمال شرق إثيوبيا، ويجاور تيجراي من الغرب والشمال الغربي، كما يمتد باتجاه جيبوتي والبحر الأحمر.
وتعتمد إثيوبيا بدرجة كبيرة على ميناء جيبوتي في تجارتها الخارجية، إذ تشير بيانات وزارة التجارة الأمريكية إلى أن نحو 90 إلى 95 بالمئة من التجارة الإثيوبية تمر عبر جيبوتي، كما تربط شبكة السكك الحديدية بين أديس أبابا وميناء جيبوتي.
وهنا تظهر أهمية عفر في الحسابات العسكرية والاقتصادية للحرب الجديدة.
فأي اضطراب واسع في طرق النقل التي تربط جيبوتي بوسط إثيوبيا يمكن أن ينعكس على حركة السلع والوقود والإمدادات، وهو ما يجعل الصراع في عفر يتجاوز كونه مواجهة محلية بين قوات متنافسة.
وقد أفادت تقارير حديثة بأن قوات تيجراي خاضت مواجهات في أبالا وإريبتي داخل عفر، ثم أعلنت مصادر مرتبطة بتيجراي السيطرة على إريبتي، بينما ظلت السيطرة الميدانية الكاملة على بعض المناطق موضع خلاف بين الأطراف.
لماذا يمثل الوصول إلى البحر الأحمر قضية حساسة؟
إثيوبيا دولة حبيسة منذ انفصال إريتريا، ولذلك تعتمد بصورة كبيرة على الموانئ الموجودة في الدول المجاورة.
وخلال السنوات الأخيرة تبنت حكومة آبي أحمد سياسة نشطة للحصول على منفذ بحري، سواء من خلال التفاهمات مع دول المنطقة أو عبر مساعيها للحصول على ترتيبات تسمح لها باستخدام موانئ على البحر الأحمر.
وفي هذا السياق ارتفعت حدة التوتر بين أديس أبابا وأسمرة، كما أثارت التحركات الإثيوبية تجاه أرض الصومال مخاوف إقليمية واسعة.
لكن من المهم التمييز بين رغبة إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري وبين القول بوجود خطة عسكرية مؤكدة للاستيلاء على أراضٍ إريترية؛ فهذا الأخير يظل استنتاجاً سياسياً لا تثبته المعطيات المنشورة بشكل مستقل حتى الآن.
من حرب داخلية إلى صراع إقليمي؟
المشهد الحالي لا يشبه تماماً حرب تيجراي السابقة.
فالصراع الجديد لا يقتصر على إقليم تيجراي، وإنما امتد إلى عفر وأمهرة، بالتزامن مع تشكيل تحالف جديد يضم جماعات مسلحة متعددة.
وتشير التقارير إلى أن قوات تيجراي سيطرت على مطارات ومواقع في الشمال، بينما شنت القوات الفيدرالية عمليات مضادة، وأعلنت في المقابل استعادة مناطق استراتيجية بينها مدينة ألماتا في جنوب تيجراي.
وهذا الانتشار الجغرافي يفتح الباب أمام قراءة مختلفة للصراع، تقوم على أن السيطرة على طرق الحركة والإمداد قد تكون جزءاً أساسياً من الحسابات العسكرية لجميع الأطراف.
ومن هنا تصبح عفر واحدة من أهم النقاط التي يجب مراقبتها خلال المرحلة المقبلة.
اتهامات خارجية بلا دليل مستقل حتى الآن
ومع تصاعد القتال، دخل العامل الإقليمي بقوة إلى المشهد.
فقد اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي إريتريا والسودان ومصر بدعم القوات المناوئة للحكومة الإثيوبية، بينما نفت الأطراف المعنية هذه الاتهامات.
السودان وصف الاتهامات الإثيوبية بأنها لا أساس لها، كما أكدت القاهرة أن سياستها الخارجية تقوم على احترام سيادة الدول ووحدتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفضت الاتهامات التي تشكك في هذا المبدأ.
وبالتالي فإن الحديث عن وجود دعم عسكري مصري أو سوداني مباشر لجبهة تيجراي لا يمكن اعتباره حقيقة مثبتة اعتماداً على التصريحات المتبادلة وحدها.
أما بشأن إريتريا، فقد اتهمت الحكومة الإثيوبية أسمرة بدعم قوى مسلحة داخل إثيوبيا، بينما نفت إريتريا ذلك، في ظل توتر متزايد بين البلدين بسبب ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
ماذا تعني عفر بالنسبة لمستقبل الصراع؟
إذا استمر القتال واتسع نطاقه داخل عفر، فإن التأثير لن يكون عسكرياً فقط.
فالمنطقة تقع على واحد من أهم محاور الحركة التي تعتمد عليها إثيوبيا في اتصالها التجاري بالعالم الخارجي عبر جيبوتي.
ومن ثم فإن أي تهديد طويل الأمد لهذا المحور يمكن أن يفرض ضغوطاً اقتصادية ولوجستية على الحكومة المركزية، ويجعل الحرب أكثر تعقيداً من مجرد صراع على السيطرة السياسية داخل تيجراي.
لكن من السابق لأوانه الجزم بأن الهدف النهائي للتحالف الجديد هو عزل إثيوبيا عن البحر الأحمر أو إنشاء دولة جديدة في شمال البلاد.
هذه السيناريوهات مطروحة في التحليلات السياسية، لكنها ليست حقائق مؤكدة حتى الآن.
المشهد الأخطر هو عودة الحرب واسعة النطاق
الخطر الحقيقي الذي تكشفه التطورات الحالية هو أن اتفاق السلام الذي أنهى حرب تيجراي لم ينجح في إزالة جميع أسباب التوتر السياسي والعسكري.
فالصراع السابق خلّف مئات الآلاف من الضحايا وفق تقديرات مختلفة، وأدى إلى أزمة إنسانية واسعة، ولذلك فإن عودة القتال تحمل مخاطر كبيرة على المدنيين وعلى الاستقرار في القرن الإفريقي بأكمله.
كما أن دخول عفر وأمهرة على خط المواجهة، إلى جانب تحالف الجماعات المسلحة، يجعل احتمالات اتساع رقعة الحرب أكثر تعقيداً.
ولهذا فإن السؤال الأهم الآن ليس فقط: من يسيطر على تيجراي؟
بل أيضاً: من يسيطر على طرق الإمداد والحركة التي تربط إثيوبيا بالبحر الأحمر؟
وهنا تحديداً تبرز عفر باعتبارها واحدة من أهم مفاتيح الأزمة الجديدة.
فإذا استمرت المعارك فيها، فإن تأثيرها قد يتجاوز حدود الإقليم ليصل إلى الاقتصاد الإثيوبي، وعلاقات أديس أبابا مع جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان، وربما يعيد رسم توازنات القوة في القرن الإفريقي.
وفي النهاية تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، من العودة إلى مفاوضات سياسية جديدة، إلى استمرار حرب استنزاف طويلة، وصولاً إلى اتساع الصراع إقليمياً إذا دخلت أطراف خارجية بصورة مباشرة.
والثابت حتى الآن أن إثيوبيا دخلت مرحلة شديدة الحساسية، وأن عفر أصبحت واحدة من أهم ساحات الصراع التي ستحدد اتجاه الأحداث خلال المرحلة المقبلة.



