العلم والفهم ودورهم فى تعزيز الثقافةالمجتمعة
بقلم د./ صابرين علام
إنّ العلم في ذاته ليس كثرة محفوظات، ولا تراكم معلومات في صفحات الكتب، وإنما هو نورٌ يقع في النفس فيمنحها قدرةً على التمييز بين الأشياء، ومعرفة مواضعها، وإدراك الغايات التي من أجلها وُجدت المعارف. فالعلم إذا لم يصحبه فهمٌ صار حِملاً على صاحبه، كما أنّ السيف في يد من لا يعرف موضع استعماله قد يكون ضرره أكثر من نفعه.
والفهم هو روح العلم وسرّ بقائه؛ لأنّ العالِم الذي يحفظ ولا يفهم يشبه من يملك مفاتيح كثيرة ولا يعرف أبوابها. أما صاحب الفهم فإنه ينظر إلى المعاني وراء الظواهر، ويربط الأسباب بمسبباتها، ويعرف أن لكل أمر ميزاناً، ولكل فكرة موضعاً، ولكل قوةٍ طريقاً ينبغي أن تُسلك فيه.
ومن هنا تظهر منزلة المنطق؛ فإن المنطق ليس مجرد ألفاظ وقواعد جامدة، بل هو تهذيب للعقل، وتعليم للنفس كيف تنتقل من الوهم إلى اليقين، ومن الظن إلى البرهان. فالعقل بلا ميزان قد يضل صاحبه، كما أن العين بلا نور لا تستطيع أن تميّز الطريق. والمنطق هو ميزان الفكر الذي يحفظ الإنسان من التناقض والاضطراب.
وإذا صلح عقل الفرد صلح جزء من المجتمع، وإذا انتشر الفهم بين الناس ارتفعت منزلة الأمة؛ لأن المجتمعات لا تبنى بكثرة الأجساد، وإنما تبنى بجودة العقول وحسن الأخلاق. فالعلم الذي لا ينتج حكمة قد يصبح وسيلة للخصومة، والقوة التي لا يقودها عقل قد تتحول إلى فساد، أما إذا اجتمع العلم مع الفهم، والمنطق مع الأخلاق، فإن الإنسان يصبح قادراً على عمارة الأرض وإصلاح ما حوله.
إن آفة المجتمعات ليست في قلة المعلومات فقط، بل في غياب القدرة على فهمها وتوجيهها. فقد يحمل الإنسان كلاماً كثيراً لكنه لا يدرك مقاصده، وقد يملك أدوات كثيرة لكنه لا يعرف الغاية منها. ولذلك كان أعظم ما يحتاج إليه الناس ليس زيادة الأخبار، بل زيادة البصيرة.
فالحكمة هي ثمرة اجتماع العلم والفهم، وهي التي تجعل الإنسان يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يقدم ومتى يتراجع، ومتى يحكم ومتى يعذر. وبها تتحول المعرفة من قوةٍ في الذهن إلى رحمةٍ في الواقع.
إن المجتمع الذي يكرم العلم ويزرع الفهم ويهذب منطقه، هو مجتمع يسير نحو الكمال؛ لأن أفراده لا يكونون أسرى للأهواء، بل أصحاب نظر وبصيرة. فالعلم يفتح الطريق، والفهم يضيء معالمه، والمنطق يحفظ السير فيه، والأخلاق تجعل الوصول غايةً نافعة للإنسان والإنسانية.
ولذلك فإن بناء الأمم يبدأ م