مقالات الرأي

عندما يكون الفقر في العقول وليس فى الجيوب

عندما يكون الفقر في العقول وليس فى الجيوب

بقلم: أيمن بحر

هناك نوع من الفقر لا تقيسه الأرقام ولا تظهره تقارير الاقتصاد ولا تستطيع الأموال وحدها أن تعالجه
إنه فقر الوعى
فقد تكون الدولة فقيرة فى مواردها لكنها غنية بعقول أبنائها فتستطيع أن تحول القليل إلى كثير وقد تمتلك الدولة إمكانات هائلة واستثمارات ضخمة لكنها تخسرها بسبب خطاب شعبوى يرفض كل جديد ويشكك فى كل مستثمر ويعتبر أى شراكة اقتصادية مؤامرة وأى استثمار أجنبى عملية بيع للوطن
وهنا تظهر واحدة من أخطر مشكلات المجتمعات
أن يتحول نقص الوعى إلى عائق أمام التنمية
ومن أكثر العبارات التي تلخص هذه الفكرة المقولة المتداولة المنسوبة إلى الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه والتة تقول إن العالم يمكن أن يحاوره صاحبه أما الجاهل فقد يعجز عن إقناعه لأن المشكلة ليست فى نقص المعلومات فقط وإنما فى غياب القدرة على فهمها
ولعل المشهد الفرنسي الأخير يقدم مثالًا يستحق التوقف أمامه
فرنسا تستقبل استثمارًا سعوديا ضخما يقدر بنحو 6 مليارات يورو لتطوير مشروع ترفيهى وسياحة بالقرب من باريس يضم مدنا للملاهى وفنادق ومطاعم ومرافق خدمية وسكنية ومن المتوقع أن يسهم المشروع فى توفير عشرات الآلاف من فرص العمل بصورة مباشرة وغير مباشرة
وهنا السؤال
كيف تنظر الشعوب الواعية إلى مثل هذه الاستثمارات
تنظر إليها باعتبارها فرصة اقتصادية
فالاستثمار لا يعنى فقط أن أموالًا أجنبية دخلت إلى دولة ما
الاستثمار يعنى مشروعات جديدة
ويعنى شركات ومقاولين وعمالا ومهندسين وموردين
ويعني مواد بناء ونقلا وخدمات وفنادق ومطاعم وتشغيلًا وضرائب ونشاطا اقتصاديا
ويعنى فى النهاية حركة داخل الاقتصاد وفرص عمل جديدة
وهذا هو جوهر الفكرة
الدول لا تنظر إلى المستثمر باعتباره شخصًا جاء ليأخذ منها شيئا فقط وإنما تنظر إليه باعتباره شريكك يمكن أن يضيف إلى اقتصادها إذا كانت القواعد واضحة والمصلحة متبادلة
لكن عندنا أحيانًا تظهر مشكلة مختلفة
ما إن تعلن الدولة عن استثمار عربى أو أجنبى حتى تبدأ بعض الأصوات فى إطلاق الاتهامات
الحكومة بتبيع البلد
الأجانب بياخدوا البلد
لماذا لا نصنع كل شيء بأنفسنا
وهكذا يتحول النقاش من سؤال اقتصادى عقلانى حول قيمة الاستثمار وعوائده وفرص العمل التى يوفرها إلى معركة عاطفية لا علاقة لها بحسابات الاقتصاد
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين
النقد حق
ومراجعة أى استثمار وطنيًا واقتصاديًا وقانونيًا حق أصيل
لكن الرفض لمجرد أن المستثمر أجنبي ليس وعيا اقتصاديا
والاعتراض على الاستثمار لمجرد جنسية صاحبه ليس دفاعًا عن الوطن
الوطنية الحقيقية أن تسأل
ماذا سيضيف هذا المشروع
كم فرصة عمل سيوفر
كم مصنعًا وشركة سيستفيد
كم حجم الإنفاق الذي سيدخل الاقتصاد
ما العائد على الدولة
وما الضمانات القانونية
وكيف نضمن أن تكون مصلحة مصر محفوظة
هذه هي الأسئلة التى تصنع دولة قوية
أما تحويل كل استثمار إلى شماعة للاتهامات فمعناه أننا لا نرفض المستثمر فقط بل نرفض معه فرص العمل والتشغيل والنمو التى يمكن أن تنتج عن استثماره
والأخطر من ذلك أن بعض المجتمعات تستطيع أن تستفيد من تجارب الآخرين بينما نحن أحيانًا نستهلك طاقتنا فى السخرية والاتهامات قبل أن نسأل أصلًا عن تفاصيل المشروع
المشكلة إذن ليست دائمًا فى فقر الموارد
أحيانًا تكون المشكلة فى فقر النظرة إلى الموارد
وليست المشكلة فى قلة الأموال
بل فى عدم القدرة على فهم كيف تتحرك الأموال داخل الاقتصاد
فالاستثمار الأجنبى عندما يكون منظمًا وشفافًا وتحت رقابة الدولة وقوانينها يمكن أن يكون أداة من أدوات التنمية وليس تهديدًا للسيادة
والسيادة لا تعني أن تغلق الدولة أبوابها أمام العالم
السيادة الحقيقية أن تكون الدولة قوية بقوانينها ومؤسساتها وقدرتها على التفاوض وتحقيق مصالحها
أما أن نعتبر كل مستثمر أجنبي عدوًا لمجرد أنه أجنبي فهذا ليس حفاظًا على الوطن
بل قد يكون إهدارًا لفرص الوطن
نحن بحاجة إلى تغيير طريقة التفكير
نحتاج إلى مجتمع يعرف الفرق بين الاستثمار والاستحواذ
وبين الشراكة والبيع
وبين النقد المسؤول والشائعات
وبين حماية المال العام وبين طرد رأس المال
نحتاج إلى أن نسأل قبل أن نهاجم
وأن نفهم قبل أن نحكم
وأن نحاسب بالأرقام لا بالشعارات
فالبلدان التي تتقدم ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الموارد
ولكنها فى كثير من الأحيان تلك التى تمتلك القدرة على إدارة مواردها وجذب الاستثمارات وتشغيل أبنائها والاستفادة من الفرص وتحويل رأس المال إلى مصانع ومشروعات ووظائف ونمو
وفى النهاية هناك حقيقة يجب أن نعترف بها جميعًا
يمكن علاج فقر الجيوب بالعمل والاستثمار والإنتاج
لكن فقر العقول أخطر بكثير
لأنه قد يجعل الإنسان يرفض الفرصة التي يمكن أن تغير حياته ثم يشتكى بعد ذلك من غياب الفرص
المعركة الحقيقية إذن ليست فقط مع الفقر
المعركة مع الجهل الاقتصادي ومع ثقافة الرفض ومع العقل الذي يرى فى كل مستثمر مؤامرة وفي كل مشروع بيعا وفى كل نجاح للآخرين تهديدا له
نحن لا نحتاج إلى التصفيق لكل استثمار
ولا إلى رفض كل استثمار
نحتاج فقط إلى شىء أكثر نضجا
أن نفهم
ثم نحكم
ثم نحاسب
لأن الأمم لا تبني مستقبلها بالصوت الأعلى
بل بالعقل الأكثر وعيًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى