إسرائيل تراقب تطور القوة الصاروخية السعودية.. توسع منشأة الدوادمي يثير تساؤلات حول مستقبل الردع الإقليمي
كتب: أيمن بحر
تتزايد المتابعة الإسرائيلية لتطور القدرات الصاروخية للمملكة العربية السعودية، في ظل مؤشرات على توسيع قاعدة الإنتاج المحلي للصواريخ الباليستية وتطوير البنية التحتية المرتبطة بها، في خطوة قد تعزز قدرة الرياض على بناء منظومة ردع أكثر استقلالية في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة بالشرق الأوسط.
وكشف تقرير نشرته وكالة «رويترز» في 23 أكتوبر 2026، استنادًا إلى صور أقمار صناعية تجارية وتحليلات باحثين متخصصين، عن أعمال توسع في مجمع إنتاج الصواريخ الباليستية بمنطقة الدوادمي، الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر غرب العاصمة الرياض.
وبحسب التقرير، تتضمن أعمال التوسع إنشاء مبنيين جديدين، يُرجح أن يكون أحدهما مخصصًا لتصنيع محركات الصواريخ العاملة بالوقود الصلب، بينما قد يُستخدم الآخر لتخزين المواد الأولية أو مكونات الصواريخ. وتشير التقديرات إلى أن هذه المنشآت قد تتيح إنتاج صواريخ بأحجام أكبر أو زيادة القدرة التصنيعية للمجمع، مع احتمال بدء الإنتاج بنهاية عام 2026 إذا اكتملت التجهيزات اللازمة.
الوقود الصلب.. تحول مهم في القدرات الصاروخية
يمثل التوسع في إنتاج الصواريخ العاملة بالوقود الصلب تطورًا مهمًا من الناحية العسكرية، إذ تتميز هذه الصواريخ بإمكانية تخزينها لفترات طويلة وهي جاهزة للاستخدام، فضلًا عن سرعة تجهيزها للإطلاق مقارنة بالعديد من الأنظمة العاملة بالوقود السائل.
ومن شأن امتلاك قدرات تصنيع محلية متقدمة أن يمنح السعودية مساحة أكبر لتطوير ترسانتها وتقليل اعتمادها على الإمدادات الخارجية، إلى جانب تعزيز قدرتها على تلبية احتياجاتها الدفاعية وفق متطلبات الأمن القومي.
ووفقًا لتحليل نشره معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكي، فإن التوسع في منشأة الدوادمي قد يتيح تصنيع صواريخ ذات مدى أطول أو حمولة أكبر، إلا أن نوع الصواريخ التي يمكن إنتاجها مستقبلًا لم يُحسم بصورة نهائية.
من الصواريخ الصينية إلى التصنيع المحلي
تعود جذور البرنامج الصاروخي السعودي إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما حصلت المملكة على صواريخ باليستية صينية من طراز DF-3، التي تُقدّر بعض المصادر مداها بنحو 2500 كيلومتر، بحسب الحمولة وظروف التشغيل.
كما ارتبط اسم السعودية بتقارير وتحليلات تتناول امتلاكها أو اهتمامها بأنظمة صاروخية صينية أخرى، من بينها DF-21، فضلًا عن تقارير بشأن صواريخ DF-15A، التي تناولها باحثون في سياق تحليل حطام صاروخي ظهر في اليمن.
وتشير دراسات متخصصة أيضًا إلى ارتباط المملكة بمشروع الصاروخ الأوكراني «غروم-2»، لكن التفاصيل المتعلقة بوضع هذه الأنظمة ومدى دخولها الخدمة الفعلية تختلف من تقرير إلى آخر، ولا ينبغي التعامل مع جميع التقديرات باعتبارها معلومات رسمية مؤكدة.
منشآت وقواعد تعزز البنية التحتية
لا يقتصر التطور على التصنيع وحده، إذ تناولت دراسات دفاعية سابقة البنية التحتية المرتبطة بالبرنامج الصاروخي السعودي، بما يشمل مواقع ومنشآت عسكرية في مناطق مختلفة من المملكة.
وتكتسب هذه البنية أهمية استراتيجية لأنها تمثل جزءًا من منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والجاهزية التشغيلية، وهي عناصر تؤثر في قدرة أي دولة على الحفاظ على قدراتها الصاروخية وتطويرها على المدى الطويل.
لماذا تتابع إسرائيل هذه التطورات؟
تنظر إسرائيل إلى أي تطور نوعي في القدرات الصاروخية لدول المنطقة من منظور التوازن العسكري والأمن الاستراتيجي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بصواريخ باليستية قد تتمتع بمدى أكبر وقدرة أعلى على حمل الحمولات.
وتزداد حساسية هذا الملف عند طرح سيناريوهات مستقبلية تربط بين القدرات الصاروخية السعودية والتعاون الدفاعي مع باكستان، أو احتمال تطور البرنامج النووي السعودي. غير أن الربط بين هذه الملفات يظل في نطاق التحليلات والسيناريوهات الاستراتيجية، ولا يمثل دليلًا بحد ذاته على وجود قرار سعودي بامتلاك أسلحة نووية أو دمجها في منظومة صاروخية.
وتعكس هذه التطورات، في مجملها، اتجاهًا إقليميًا نحو تعزيز القدرات العسكرية المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج، في وقت تتزايد فيه أهمية الردع الصاروخي والدفاع الجوي ضمن حسابات الأمن القومي لدول الشرق الأوسط.
خلاصة المشهد: توسع منشأة الدوادمي يمثل مؤشرًا مهمًا على تطور القدرة الصناعية الصاروخية السعودية، لكن تقييم حجمه وتأثيره الفعلي يتطلب التمييز بين ما أظهرته صور الأقمار الصناعية، وما توصل إليه الباحثون من تقديرات، وما لم تعلنه الجهات الرسمية حتى الآن.



