الأمانة حين تصبح ميزان الأمم

الأمانة حين تصبح ميزان الأمم
بقلم/ أيمن بحر
فى زمن تتسارع فيه المصالح وتتداخل فيه الحسابات الشخصية مع الواجبات العامة تظل الأمانة هى المعيار الحقيقي الذي يُقاس به معدن الإنسان وتُعرف به قيمة النفوس. فليست الأمانة كلمة تُقال ولا شعارًا يُرفع فى المناسبات بل هى عهد بين العبد وربه ومسؤولية يحملها الإنسان فى كل موقع يشغله وكل مهمة تُسند إليه.
وما أشد حاجة المجتمعات اليوم إلى رجال ونساء يدركون أن الوظائف ليست امتيازات تمنح النفوذ وإنما تكاليف تفرض المسؤولية. فكل منصب أمانة وكل معلومة أمانة وكل مستند أمانة وكل قرار يترتب عليه حق للناس هو أمانة سيقف صاحبها يومًا بين يدي الله ليسأل عنها سؤالًا لا مهرب منه ولا مفر.
إن المؤسسات لا تنهار دائمًا بسبب ضعف الإمكانات أو قلة الموارد بل قد تتعرض لأخطر صور التآكل حين تضعف الأمانة فى النفوس وتتحول بعض المواقع الوظيفية إلى أدوات لخدمة الأهواء أو تصفية الحسابات أو تحقيق المكاسب الخاصة. عندها يصبح الحق غريبًا ويضيع ميزان العدل وتُستبدل قيم البناء بمعاول الهدم.
ولقد ظن بعض الناس أن تتبع العثرات ونقل الأخبار وتسريب الأسرار واستغلال الخصومات نوع من الذكاء أو النفوذ بينما الحقيقة أن هذه السلوكيات لا تعبر إلا عن فقر أخلاقي وخسارة إنسانية قبل أن تكون مخالفة للأنظمة والقوانين. فالقوة الحقيقية ليست في الإضرار بالآخرين بل في القدرة على حفظ الحقوق وصيانة الأمانات والارتقاء فوق دوافع الانتقام والهوى.
إن صاحب الرسالة الصادقة يواجه الخطأ بالحقيقة ويعالج الخلل بالعدل ويسلك طريق الإصلاح مهما كان شاقًا. أما الباحث عن الإيذاء فإنه يقتات على الشائعات ويبحث عن الزلات ويجعل من الخلافات وقودًا لمعركة لا رابح فيها سوى الفتنة.
وقد علمتنا الشرائع السماوية أن الأمانة ليست محصورة في الأموال وحدها بل تشمل الكلمة التي ننطق بها والمعلومة التي نحفظها والشهادة التي نؤديها والموقف الذي نتخذه والوظيفة التي نشغلها. ولذلك كانت خيانة الأمانة من أخطر ما يفسد المجتمعات لأنها تهدم الثقة التي تقوم عليها العلاقات بين الناس.
وكم من إنسان خسر نفسه حين باع ضميره من أجل منفعة عابرة أو مكسب مؤقت أو رضا شخص زائل. وكم من آخر حفظ أمانته فرفع الله قدره وترك له بين الناس ذكرًا حسنًا وسيرة طيبة لا تمحوها الأيام.
إن البناء يحتاج إلى إخلاص والنجاح يحتاج إلى صدق والمؤسسات القوية لا تقوم على المكايد ولا على تصيد الأخطاء بل تنهض بالتعاون واحترام المسؤوليات والإيمان بأن المصلحة العامة فوق كل اعتبار شخصي.
وسيظل أصحاب الضمائر الحية يمضون في طريقهم مهما تعرضوا للتشويه أو الافتراء لأنهم يعلمون أن رضا الله هو الغاية الكبرى وأن التاريخ لا يخلد أصحاب الفتن وإنما يخلد أصحاب المبادئ والعطاء.
فالأمانة ليست خُلقًا عابرًا بل هي أساس الحضارات وسر استقرار الأمم وركيزة كل نجاح حقيقى. وإذا كانت الخيانة تهدم القلوب وتزعزع المؤسسات فإن الأمانة تبني الإنسان قبل أن تبني الأوطان.
اللهم ارزقنا صدق النية وإخلاص العمل واجعل الأمانة نورًا فى قلوبنا وسلوكًا فى حياتنا وأبعد عنا طرق الهوى والفتنة ووفقنا إلى ما فيه الخير والصلاح.
فسيبقى الحق حقا وإن حاربه المبطلون وستبقى الأمانة تاجا لا يحمله إلا أصحاب النفوس الكريمة.




