ملحمة الإيمان

ملحمة الإيمان
بقلم خالد البنا
سورة إبراهيم
(إبراهيم… وهاجر… وإسماعيل… والسكين)
بقلم: خالد البنا
—
المشهد الأول: الرحيل
الصحراء لا ترحم… لكنها تشهد.
وقف إبراهيم عليه السلام عند حافة الوادي، والسماء تنظر، والريح صامتة، والأرض تُخبئ أنفاسها.
عن يمينه رضيع… وعن يساره امرأة.
وفي صدره أمرٌ من السماء… لا يُناقش.
لم يتكلم.
فالكلام في حضرة الألم يُفسد الصبر.
هاجر تنظر إليه… لا تسأله لماذا، بل تسأله:
“آالله أمرك بهذا؟”
فيقولها إبراهيم بنبضٍ لا يُسمع:
“نعم.”
فتُسلم… كما يُسلم من يعرف الله.
تركهم… ومضى.
لكن قبل أن يبتعد، رفع يديه إلى السماء،
وصوته يرتجف بين الرمل والرحمة:
“ربِّ إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع…”
“ربنا وتقبل دعاء…”
ثم غاب صوته، وظلّت الدعوة تتردد في الصحراء كصدى لا يموت.
—
المشهد الثاني: الركض
الرضيع يبكي… والسماء صامتة.
هاجر تُسند قلبها، لا ظهرها، وتنطلق.
من الصفا إلى المروة،
ومن المروة إلى الصفا،
سبع خطوات من الرجاء، تتكرر،
كأنها تقول في كل شوط:
“يا الله، لا أملك غيرك.”
كان الرمل يحترق تحت قدميها،
لكن قلبها لم يحترق، بل ازداد يقينًا.
وفي السعي الأخير، حين تعبَ الرجاء،
انفجرت الأرض…
زمزم!
ماءٌ من بطن التراب،
هدية من السماء لأمّ لم تيأس، ورضيع لم يصرخ… بل بكى صامتًا.
بكت هاجر…
لا من الضعف، بل من النصر الذي لا يُرى.
—
المشهد الثالث: البناء
مرت السنين…
وكبر الرضيع…
ورجع الأب.
لكن هذه المرة لا ليفارق، بل ليبني.
وقف إبراهيم وإسماعيل، جنبًا إلى جنب،
يرفعان الحجارة،
ولا يبنيان جدارًا فقط، بل يرفعان دعاءً من حجر.
> “ربنا تقبل منا…”
كل حجر يُوضع، ومعه نغمة من الإخلاص.
كل نقطة عرق تسقط، وتتحول إلى أثرٍ خالد.
لم يكن هناك جمهور،
لكن السماء كلها كانت تُصفق.
> “ربنا اجعل هذا بلدًا آمنًا…”
> “وابعث فيهم رسولًا…”
وهكذا كُتب الوعد…
من بين يدي الأب والابن…
بالدمع والدعاء والطاعة.
—
المشهد الرابع: السكين
ثم جاء الليل الذي لا يُنسى.
رأى إبراهيم رؤيا…
وفيها: يذبح ابنه.
السكين في يده،
والحب في صدره،
والسماء تراقب.
التفت إلى إسماعيل وقالها،
كأن قلبه يُقال لا لسانه:
“يا بني، إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى…”
لكن إسماعيل… ذاك الغلام الذي تربى على يقين أمّه،
أجاب وكأنه يعلم أن الاختبار لله، لا له:
“يا أبتِ، افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين.”
تنهّد إبراهيم،
وأراح جبينه على الأرض…
ورفع السكين…
لكن السكين أبت.
لم تقطع…
لم تطاوع…
لأن الله قال:
“وفديناه بذبح عظيم.”
نزل الكبش، وارتفعت الرحمة.
وبقيت الذكرى تُعاد كل عام،
كي يعلم الناس أن الذبح ليس في الرقبة… بل في القلب،
وأن أعظم القربان… هو التسليم.
—
🕯️ الخاتمة: ملحمة لا تنتهي
هذه ليست قصة عن الماضي…
بل مرآة للحاضر.
عن رجل أطاع،
وامرأة صبرت،
وطفل سلّم،
وسماء استجابت.
ملحمة الإيمان… لا يُكتب لها نهاية،
لأنها تُتلى في كل صلاة،
وتُعاد في كل حج،
وتُبكى في كل دعاء.




