
الجزء الثالث
بقلم كاتب الصعيد حسين أبوالمجد
لم أنم تلك الليلة
لم يكن الأمر خوفا
بل شعورا غريبا يشبه انتظار شيء تعرف أنه سيحدث حتى لو لم تعرف كيف
الساعة كانت تقترب ببطء من الثالثة وثلاث عشرة دقيقة
كنت جالسا أمام النافذة أراقب السماء فوق الصعيد
الليل كان هادئا أكثر من اللازم كأن الأرض كلها تحبس أنفاسها
وعندما وصلت العقارب إلى اللحظة نفسها
حدث ما لم أتوقعه
لم أسمع النبض هذه المرة
بل شعرت به
الأرض تحتي ارتجفت ارتجافة خفيفة
ليست زلزالا بل ما يشبه استيقاظ شيء كان نائما منذ زمن طويل
وفي تلك اللحظة
أضاء الهاتف مرة أخرى
رقم غير معروف
لكن قبل أن ألمسه
وصلت رسالة واحدة فقط
لم تكن كلمات كثيرة
سطر واحد لا غير
النقطة الثالثة استيقظت
وقبل أن أستوعب المعنى
وصلت رسالة ثانية
صورة
لم تكن واضحة في البداية لكن عندما كبرتها
تجمد الدم في عروقي
كانت خريطة
ليست خريطة عادية
خريطة لمصر
لكنها ليست مصر التي نعرفها
كانت هناك خطوط مرسومة بعناية تربط بين أماكن محددة
أبيدوس
الكرنك
سقارة
جبل الطارف
والجيزة
لكن الغريب
أن الخطوط لم تكن مستقيمة
كانت تشكل نمطا هندسيا معقدا
نفس الدوائر المتداخلة التي رأيتها فوق النيل
لكن هذه المرة
كان هناك شيء جديد
ثلاث نقاط فقط كانت مضيئة
أبيدوس
الجيزة
ومكان ثالث لم أتعرف عليه فورا
احتجت دقائق لأدركه
لم يكن موقعا أثريا مشهورا
كان مكانا مهجورا في قلب الصحراء
مكانا نادرا ما يذكر في الكتب
وما إن فهمت حتى وصلت الرسالة الثالثة
عندما تستيقظ النقاط السبع
لن يبقى الباب مغلقا
تجمدت للحظة
سبع نقاط
لكنني وجدت على الخريطة سبعا بالفعل
سبع نقاط موزعة بعناية عبر مصر
وفجأة تذكرت شيئا لم أنتبه له من قبل
الرمز
دوائر
ونقطة في المنتصف
لم يكن مجرد شكل
كان خريطة
خريطة لشيء تحت الأرض
تحت مصر نفسها
في تلك اللحظة
سمعت النبض مرة أخرى
لكن هذه المرة
لم يأت من تحت قدمي
جاء من الهاتف
ثم انطفأت الشاشة فجأة
وعندما أضاءت من جديد
لم تكن خريطة مصر على الشاشة
بل صورة التقطت للتو
صورتي أنا
واقفا أمام أطلال أبيدوس
لكنني لم ألتقطها
وكان هناك شخص يقف خلفي في الصورة
لم أره عندما التقطت
رجل يرتدي معطفا داكنا
ووجهه غير واضح
لكن شيئا واحدا كان واضحا تماما
كان ينظر مباشرة إلى الكاميرا
وأسفل الصورة
ظهرت جملة جديدة
النقاط لا تختار الجميع
لكنها اختارتك
وفي اللحظة نفسها
وصلت آخر رسالة
لم تكن نصا
كانت إحداثيات
ووقتا
الثالثة وثلاث عشرة دقيقة
غدا
ومكانا واحدا فقط مكتوبا تحتها
الهرم الأكبر
وعندها فقط
فهمت ما لم أفهمه منذ البداية
المخطوطة لم تكن تحكي قصة
كانت دليلا
والنقاط لم تكن آثارا
كانت أقفالا
ومصر
لم تكن مجرد أرض حضارة
كانت الخريطة
لكن السؤال الحقيقي لم يكن ماذا سيحدث إذا استيقظت النقاط كلها
السؤال كان
من الذي يحاول إيقاظها الآن
ولماذا
بعد آلاف السنين


