
من كتاب الزينة
تأليف خالد البنا
الفصل الأول: الزينة
11
يمضي الإنسان في الحياة وهو يظن أنه يمسك بخيوطها، بينما الحقيقة أن الخيوط كثيرًا ما تمسك به. كل خطوة يخطوها نحو المال أو الشهرة أو المكانة تبدو كأنها انتصار صغير، لكنه لا يلاحظ أن هذه الانتصارات نفسها تربطه أكثر بعالم الزينة الذي لا نهاية له.
12
في الأسواق ترى الوجوه متشابهة: عيون تبحث، وأيدٍ تمتد، وقلوب تقارن. لا أحد يشتري الأشياء فقط لأنه يحتاجها، بل لأنه يريد أن يضيف طبقة جديدة من الزينة إلى صورته أمام الآخرين.
13
والمدن الحديثة أصبحت معابد كبيرة للزينة. ناطحات السحاب، الإعلانات المضيئة، الواجهات الزجاجية… كل شيء يقول للإنسان..كن أكثر لمعانًا، كن أكثر بروزًا، كن أكثر حضورًا.
14
لكن خلف هذا اللمعان تختبئ حقيقة بسيطة أن الإنسان لا يشبع من الزينة. كلما حصل على شيء، ظهر شيء آخر أجمل وأغلى وأبعد.
15
وهكذا يبدأ سباق لا نهاية له. سباق لا يعرف فيه الإنسان متى يبدأ ولا متى ينتهي. المهم أن يظل يجري، لأن الوقوف لحظة واحدة قد يجعله يكتشف أنه كان يركض في دائرة مغلقة.
16
الزينة تشبه الضوء القوي. من يقترب منه كثيرًا قد يعمى عن رؤية الأشياء الأخرى. لهذا نرى كثيرًا من الناس يملكون كل شيء تقريبًا، لكنهم يشعرون بأن شيئًا ما ناقص في أعماقهم.
17
وفي لحظة صفاء، قد يسأل الإنسان نفسه: لماذا أفعل كل هذا لماذا أركض لماذا أقارن نفسي بالآخرين
لكن الضجيج سرعان ما يعود، فيغطي على السؤال قبل أن يجد جوابًا.
18
التفاخر هو الوجه الأكثر وضوحًا للزينة. حين يتحول الإنجاز إلى وسيلة للظهور، وحين يصبح النجاح مجرد مادة للعرض أمام الآخرين.
19
والعجيب أن التفاخر لا يشبع أبدًا. فكل شخص يجد دائمًا من هو أغنى منه، أو أشهر منه، أو أجمل منه. وهكذا تبقى المقارنة جرحًا مفتوحًا في النفس.
20
وفي نهاية كل يوم، حين يهدأ الضجيج قليلًا، قد يشعر الإنسان بشيء من التعب. ليس تعب الجسد فقط، بل تعب الروح من مطاردة الزينة.



