مقالات الرأي
أخر الأخبار

رمضان..ثوره روح وجسد..ومعركه وعي

← رجوع

شكرًا لردكم ✨

بقلم كاتب الصعيد/حسين ابوالمجد حسن
باحث في الشؤون الدولية والتاريخية
رمضان ليس شهرًا عابرًا في رزنامة الأيام، بل مشروعًا سنويًا لإعادة بناء الإنسان كاملًا: روحًا تسمو، وجسدًا يتطهر، وعقلًا يستنير.
إنه دورة تدريبية مكثفة في ضبط النفس، وتطهير القلب، وتجديد الوعي. وفي الوقت الذي يصوم فيه المسلم عن الطعام والشراب، يُفترض أن يصوم أيضًا عن الإسراف، وعن التفاهة، وعن كل ما يُضعف أثر هذه العبادة العظيمة.
أولًا: رمضان… مدرسة التقوى وإعادة تشكيل القلب
قال تعالى في القرآن الكريم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
الغاية الكبرى من الصيام هي التقوى؛ أي أن يتحول الإنسان إلى رقيبٍ على نفسه، محاسبٍ لها، متحررٍ من شهواته لا عبدًا لها.
في رمضان:
يهدأ صخب الرغبات.
يتسع وقت التأمل.
يرتفع صوت القرآن في البيوت والمساجد.
تتجدد معاني الصبر والرحمة والتكافل.
إنه شهر المصالحة الكبرى:
مصالحة العبد مع ربه، ومصالحة الإنسان مع ذاته، ومصالحة المجتمع عبر الزكاة والصدقات وصلة الأرحام.
ثانيًا: الصيام… حين يلتقي الوحي بالعلم
لم يعد الحديث عن فوائد الصيام مقتصرًا على المنابر، بل أصبح موضوعًا علميًا تتناوله كبريات الجامعات.
يؤكد عالم الأعصاب الأمريكي Mark Mattson أن الصيام المنتظم يعزز تجدد الخلايا العصبية، ويحسن حساسية الإنسولين، ويقلل الالتهابات.
كما كشف الحائز على نوبل Yoshinori Ohsumi عن آلية “الالتهام الذاتي” التي تنشط أثناء الامتناع عن الطعام، حيث تنظف الخلايا نفسها من السموم والبروتينات التالفة.
إن ما يعيشه المسلم في رمضان ليس فقط عبادة، بل عملية تنظيف بيولوجي متكاملة للجسد.
فالصيام:
يريح الجهاز الهضمي
يساعد على توازن السكر
يعزز المناعة
ويعيد ضبط إيقاع الجسد
ثالثًا: البعد النفسي… تدريب عملي على إدارة الغضب
الصيام ليس امتناعًا جسديًا فحسب، بل ضبطًا انفعاليًا.
ولهذا قال النبي ﷺ:
“فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم”.
رمضان يعيد برمجة النفس:
يقلل التوتر لمن فهم معناه.
يرفع مستوى الصبر.
يعزز الامتنان والرضا.
إنه شهر إعادة ضبط المشاعر قبل أن يكون شهر إعادة ضبط المعدة.
رابعًا: لا للإسراف… روح الصيام في الاعتدال
قال تعالى في القرآن الكريم:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
المفارقة المؤلمة أن بعض المجتمعات تحوّل رمضان إلى موسم استهلاكٍ مفرط، فتُهدر الأموال والطعام، وكأن فلسفة الصيام هي التعويض لا التهذيب.
رمضان ليس شهر الموائد المتخمة، بل شهر:
الاعتدال في الطعام
الاقتصاد في الإنفاق
توجيه الفائض إلى المحتاجين
فكيف نطلب أثرًا صحيًا وروحيًا للصيام، ثم نهدمه بالإفراط عند الإفطار؟
خامسًا: الإعلام في رمضان… معركة وعي لا سباق مسلسلات
إذا كان رمضان شهر نزول القرآن الكريم، فمن الطبيعي أن يكون الإعلام فيه امتدادًا لرسالته، لا نقيضًا لها.
الإعلام التربوي يجب أن ينتشر في رمضان بدل الاكتفاء بسيلٍ من المسلسلات والبرامج السطحية التي تستهلك الوقت وتفرغ الشهر من معناه.
نحتاج إلى:
برامج قرآنية تُغذّي الروح والعقل
مثل برنامج دولة التلاوة الذي يعيد الاعتبار لجمال التلاوة وهيبة كتاب الله.
إعادة إحياء الفكر الإسلامي العميق
إعادة بث حلقات الدكتور مصطفى محمود رحمه الله، خاصة حلقاته التي تناول فيها إعجاز القرآن بلغة تجمع بين العقل والإيمان.
إحياء دروس الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي قرّب معاني القرآن إلى عامة الناس بأسلوبٍ بليغ مؤثر.
دراما هادفة تربي الأجيال
مسلسلات تُجسّد أخلاق الإسلام السمحة.
أعمال تاريخية عن الفتوحات والقادة العظام.
قصص واقعية تصنع قدوة للنشء بدل الإثارة الفارغة.
رمضان فرصة سنوية لإعادة تشكيل وعي الأمة، لا مجرد موسم نسب مشاهدة وإعلانات.
رمضان… بين السماء والأرض
في عالمٍ يركض خلف الاستهلاك والضجيج، يأتي رمضان ليقول:
توقف
خفف
طهّر قلبك وجسدك وعقلك.
هو شهر يُعيد تعريف القوة:
القوة ليست في الامتلاء، بل في القدرة على الامتناع.
وليست في الضجيج، بل في السكون أمام كتاب الله.
رمضان ليس طقسًا موسميًا، بل مشروع إصلاح شامل.
جسدٌ يتطهر بالصيام،
روحٌ تسمو بالقيام،
وعقلٌ يستنير بالقرآن،
وإعلامٌ يجب أن يكون شريكًا في البناء لا الهدم.
فإذا صام الجسد، واستنار العقل، واعتدل الإنفاق، وارتقت الرسالة الإعلامية…
خرجنا من رمضان أمةً أقوى، وأوعى، وأقرب إلى الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى