مقالات الرأي

وتلك الأيام نداولها بين الناس

هذه الأيام تتداول بين الناس بين القوة والضعف

 

 

من كتاب وتلك الأيام نداولها بين الناس

تأليف خالد البنا
المقدمة
الأيام… حين تتكلم السنن
ليست الأيام صفحاتٍ في تقويم،
ولا حوادثَ متفرقةً بلا رابط،
بل هي حركة منتظمة،
تشبه حركة المدّ والجزر،
وتخضع لقانون لا يحابي فردًا ولا أمة.
وحين جاء القرآن،
لم يأتِ ليُخدّر الوعي بالحكايات،
ولا ليمنح المؤمنين وهم التفوق الدائم،
بل جاء ليكسر أخطر أوهام الإنسان:
وهم الثبات.
قال تعالى:
﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾
[آل عمران: 140]
جاءت هذه الآية في سياقٍ بالغ الدلالة؛
بعد هزيمة المسلمين في غزوة أُحد،
حين اختلّ ميزان الثقة،
وساد السؤال المكتوم:
كيف نُهزم ونحن على حق؟
فنزلت الآية لا لتبرّر الهزيمة،
ولا لتُدين النصر،
بل لتكشف عن سنّة أعلى من اللحظة،
وأوسع من الحدث.
نزلت لتقول إن النصر والهزيمة
ليسا علامة رضا دائم،
ولا شهادة خذلان أبدية،
وإنما هما دورانٌ للأيام
بين الناس جميعًا.
التداول هنا ليس لفظًا بلاغيًا،
بل توصيفًا دقيقًا للحركة التاريخية:
ما كان لك اليوم قد لا يكون لك غدًا،
وما فقدته بالأمس
قد يعود إليك في دورة أخرى،
إن تغيّرت الشروط
وتبدّلت الأسباب.
ثم يضرب القرآن المثل الأوضح،
لا في ساحات القتال،
بل في الحياة ذاتها،
في أبسط صورها وأكثرها تكرارًا:
الماء والنبات.
قال تعالى:
﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيمًا تذروه الرياح﴾
[الكهف: 45]
الماء واحد،
والأرض واحدة،
لكن المشهد لا يثبت.
اخضرارٌ يملأ العين،
ثم هيجان،
ثم اصفرار،
ثم حطام.
لا لأن النبات أخطأ،
ولا لأن المطر خانه،
بل لأن هذه هي طبيعة الحياة
حين تبلغ ذروتها
تبدأ في الانحدار.
وهكذا الإنسان،
يولد ضعيفًا،
ثم يقوى،
ثم يطمئن،
ثم يظن أن القوة صفة لا مرحلة،
فينسى أن الجسد الذي نما
سوف يهرم،
وأن الذاكرة التي امتلأت
سوف تخون،
وأن الزمن لا يعقد اتفاقًا دائمًا مع أحد.
وهكذا الدول،
تخرج من الفقر والفكرة،
ثم تتسع وتتمدد،
ثم تتضخم،
ثم تخاف من التغيير،
فتبدأ في التآكل من داخلها
قبل أن يسقط جدار واحد.
هذا الكتاب لا يكتب تاريخ الهزائم،
ولا يحتفي بلحظات القوة،
بل يحاول قراءة القانون الذي يحكمهما معًا.
قانون لا يعادي الإيمان،
ولا يُنكر الغيب،
لكنه يرفض أن يتحول الدين
إلى ستارٍ لتجاهل السنن.
فالقوة إن لم تُفهم،
تحولت إلى غرور.
والضعف إن لم يُفهم،
تحول إلى يأس.
أما من وعى التداول،
فلم يُفاجَأ،
ولم ينهَار،
ولم يتوهّم أنه الاستثناء.
إن أخطر ما في الحياة
ليس تغيّر الأحوال،
بل إصرار الإنسان
على التعامل مع المؤقت
كأنه أبدي.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى