مقالات الرأي

من كتاب كأنك هناك

يوم 23يوليو 1952

 

 

 

من كتاب (كأنك هناك)

تأليف خالد البنا
مذكّرات التاريخ وهو يحدث

مقدمة الكتاب
هذا الكتاب لا يشرح التاريخ،
ولا يحاكمه،
ولا يعرف نهايته.
هذا الكتاب يدخل اليوم كما دخله الناس:
بخوفهم،
بجهلهم بما سيأتي،
وبأسئلتهم التي لم يكن لها إجابة بعد.
هنا لا نعرف من سينتصر،
ولا من سيسقط،
ولا ماذا سيكتب في الكتب لاحقًا.
هنا…
نعيش اللحظة فقط.

يوم 23 يوليو 1952

– اليوم الكامل مطولاً
6:00 صباحًا – فتح الإذاعة
القاهرة تستيقظ ببطء تحت شمس صيف يوليو الحارّة،
والطرق المؤدية إلى إذاعة القاهرة محاصرة بالدبابات والجنود.
الهواء ثقيل بالتوتر، أصوات المحركات والجنود تصنع خلفية صامتة للحدث التاريخي.
داخل الإذاعة، المذيع يجلس أمام الميكروفون، يراجع أوراق الأخبار العادية،
لكن ضابطًا يدخل فجأة، يمسك ورقة واحدة، ويقول:
– خذ البيان… واتله على الشعب.
المذيع يشعر برعشة، لكنه يرفع رأسه، يعلم أن الكلمات القادمة ستغير مصر.
6:15 صباحًا – البيان التاريخي الأول
الصوت يخرج للمرة الأولى في الأثير:
«من اللواء أركان الحرب محمد نجيب
القائد العام للقوات المسلحة
إلى الشعب المصري:
اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم…
وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين…
وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش وتولى أمره إما جاهل أو خائن أو فاسد… حتى أصبحت مصر بلا جيش يحميها…
وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم…
ونطلب من الشعب المصري أن يطمئن وأن يلتزم الهدوء وألا يقوم بأي أعمال تضر بالمصلحة العامة…
وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونًا مع البوليس، وأؤكد لإخواننا الأجانب على أرواحهم وأموالهم ومصالحهم… والله ولي التوفيق.»
ردود الفعل الفورية:
الملك فاروق في الإسكندرية: جالس في مكتبه، أوراقه مبعثرة، يرفع عيناه نحو الجنود في الشوارع، قلبه يختنق، يشعر بأن سلطته تتآكل أمام صمت المدينة وصدى الكلمات في الهواء.
مصطفى النحاس: يتلقى اتصالات عاجلة من الوزراء، يحاول ترتيب الأوراق، كل كلمة من البيان تضغط على أعصابه.
الباشوات والموظفون: صمت الرعب يملأ المكاتب، لا أحد يعرف من سيبقى ومن سيفقد منصبه.
الشعب في القرى والمقاهي: الفلاحون والعمال يرفعون الرؤوس ليستمعوا، لأول مرة يسمعون صوت الجيش يتحدث باسمهم.
الإنجليز والأمريكان: المراقبة الحذرة، التحليل المستمر لكل كلمة، تقييم مستقبل مصالحهم في مصر.
6:30 صباحًا – أول إعادة للبيان
الصوت نفسه يعود، الكلمات تثقل أكثر في النفس كل مرة.
في المقاهي، الشباب يهمسون ببعضهم:
«تطهير البلاد من الفاسدين… القيادة تحت محمد نجيب…»
الطبقات المطحونة تشعر لأول مرة بأن هناك أمل في التغيير،
النساء والأطفال يرددون الكلمات بصمت، كأنهم يشعرون بقوة لم يفهموها بعد.
🕕 6:45 صباحًا – نشيد وطني قصير
«قوم يا مصري»
الأنغام العسكرية القوية تعلو، تصنع شعور الانضباط،
كأن الجيش يخطو على كل شبر في البلاد بصوت الموسيقى.
7:00 صباحًا – إعادة البيان الثانية
تكرار البيان يجعل الكلمات تترسخ في الأذهان.
الملك فاروق يتنفس بصعوبة، يشعر أن السلطة تنزلق من بين يديه.
مصطفى النحاس يحاول التواصل مع الوزراء،
كل موظف يراقب زميله بخوف.
الباشوات يكتبون ملاحظاتهم بحذر،
والطبقات المطحونة تبدأ الحديث فيما بينها عن الكلمات والأمل القادم.
7:30 صباحًا – تأثير الشارع
التجار يخفضون أصواتهم في الأسواق.
الأطفال يجرون بين البيوت وهم يرددون الكلمات.
المقاهي مليئة بالهمسات عن ما سمعوه،
كل نصف ساعة يعاد البيان،
المدينة كلها تترقب ما سيحدث بعد هذه اللحظة.
8:00 صباحًا – إعادة البيان الثالثة
صدى الكلمات يزداد قوة، كل طبقة تسمع ما يخصها:
الملك فاروق: القلق والخوف على سلطته.
النحاس: التخبط في تنظيم الحكومة.
الموظفون والباشوات: الرعب من فقدان المناصب.
الفلاحون والعمال: شعور بالقوة لأول مرة.
الإنجليز والأمريكان: تقييم دقيق لكل خطوة مستقبلية.
الموسيقى الوطنية تتخلل النشرات لتعزيز روح الانتماء والشعور بالقوة.
9:00 صباحًا – الإنجليز والمراقبة الخارجية
في السفارة البريطانية:
الضباط يكتبون الملاحظات،
يتابعون تحركات الجيش في الشوارع،
كل كلمة من البيان تُحلّل بدقة:
«هل سيتغير الوضع لصالحنا أم ضد مصالحنا؟»
10:00 صباحًا – الأمريكان يراقبون
تحليل مستمر لكل فقرة من البيان،
التفكير في الاستثمارات والتحالفات،
القلق من عدم معرفة توجه الجيش المصري.
11:00 صباحًا – تأثير الطبقات المطحونة
في القرى والحقول:
الفلاحون والعمال يسمعون البيان،
الكلمات تعطيهم إحساسًا بالحرية لأول مرة،
النقاشات تبدأ بين الجيران،
الأطفال يكررون الجمل كما سمعوها من الراديو.
12:00 ظهرًا – إعادة البيان الرابعة
كل فئة تسمع ما يخصها،
الشعب في المقاهي يكرر الكلمات،
الملك والنحاس يراقبان ردود الأفعال،
الراديو يربط كل شيء ببعضه: القوة، النظام، التغيير.
2:00 ظهرًا – تفاعل الشارع
الشوارع صاخبة، لكن كل الصوت مشحون بالانتظار.
المقاهي والأسواق تركز على كلمات البيان.
كل نصف ساعة يعاد البيان، وكل مرة تتغير نبرة الأمل والخوف حسب الفئة.
4:00 عصرًا – الموسيقى الوطنية والجيش في الشوارع
مقاطع موسيقية قصيرة تبين انضباط الجيش،
المواطنون يلاحظون القوة العسكرية في كل شارع.
تكرار البيان يجعل كل شخص في مصر يشعر بأنه جزء من الثورة.
6:00 مساءً – إعادة البيان السادسة
الملك فاروق في قصره،
مصطفى النحاس يحاول ترتيب المكاتب،
الموظفون والباشوات يراقبون بعضهم البعض،
الشعب في المقاهي والبيوت يستوعب أن السلطة بدأت تتحرك.
9:00 مساءً – الإعادة الليلية
آخر بث للبيان قبل منتصف الليل،
الموسيقى الوطنية الهادئة تنهي اليوم،
كل شيء صامت لكن الراديو يترك صدى الثورة في النفوس.
منتصف الليل – ختام اليوم
القصر هادئ، لكن الملك فاروق يعرف أن السلطة تتغير إلى الأبد.
مصطفى النحاس يحسب خطوات اليوم الطويلة.
الشعب في كل المدن والقرى يبدأ ببطء إدراك أن مصر دخلت حقبة جديدة.
الإنجليز والأمريكان يحللون كل كلمة، مستعدون لتغيير خططهم في المنطقة.
اليوم انتهى، لكن الثورة بدأت تتغلغل في النفوس والشارع وكل مؤسسة في مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى