مقالات الرأي

هبه سليم وفاروق الفقي..حين سقطت الخيانه في يد قائد شريف

بقلم الكاتب/ حسين ابوالمجد حسن
باحث في الشؤون السياسية والتاريخية
لم يكن اللواء نبيل شكري مجرد قائد في سلاح الصاعقة،
بل كان رجلًا يؤمن أن الشرف العسكري لا يقبل أنصاف الحلول،
وأن القائد مسؤول عن رجاله… حتى عن خياناتهم.
في حرب الاستنزاف،
وحين كان العدو يظن أن الجيش المصري ما زال يترنح بعد النكسة،
كانت وحدات الصاعقة بقيادته تعبر القناة ليلًا، تضرب وتعود،
تزرع الرعب في عمق المواقع الإسرائيلية،
وتؤكد أن الجندي المصري لم يُهزم… بل كان يستعد.
عمليات خلف خطوط العدو،
اقتحامات صامتة،
وضربات موجعة،
جعلت إسرائيل تعترف أن الصاعقة المصرية ليست مجرد قوة،
بل كابوس دائم.
لكن أقسى معارك نبيل شكري
لم تكن مع العدو.
حين كُشفت واحدة من أخطر الخيانات داخل صفوف الصاعقة،
وكان بطلها المقدم فاروق عبد الحميد الفقي،
ضابط لم يبع وطنه من أجل المال،
بل من أجل امرأة.
امرأة واحدة كانت كفيلة بإسقاط كل شيء:
الجاسوسة هبة سليم،
التي نجح الموساد عبرها في تجنيد ضابط داخل أخطر وحدات الجيش المصري،
فنُقلت أسرار الصاعقة،
وسقط شهداء أبرياء،
دفعوا حياتهم ثمن ثقة لم يكونوا طرفًا فيها.
عند اكتشاف الخيانة،
تقدّم نبيل شكري باستقالته فورًا،
لا هروبًا… بل تحمّلًا كاملًا للمسؤولية.
قالها بوضوح موجع:
«هذا الضابط خان ثقتي فيه، وجعلني – دون أن أقصد – سببًا في موت كثير من جنود القوات المسلحة».
وحين بلغه الخبر،
انهار القائد في صمت.
مكث في بيته أكثر من أسبوع،
رافضًا الحديث مع أي أحد… حتى أهله.
كان السؤال يجلده ليلًا ونهارًا:
كيف تسللت الخيانة من تحت عينيه؟
وكيف سالت دماء لم يطلق رصاصتها،
لكنه حمل وزرها كاملًا؟
لم يلوم غيره…
كان يلوم نفسه.
وعندما أصرت القيادة العامة على بقائه في منصبه،
والحرب وشيكة،
رفض،
واشترط شرطًا صادمًا:
أن يكون هو من ينفذ حكم الإعدام في الضابط الخائن بنفسه.
رُفع الطلب إلى الرئيس أنور السادات،
القائد الأعلى للقوات المسلحة،
فوافق فورًا، دون تردد.
وجاء يوم التنفيذ.
تقدم نبيل شكري ببطء،
وفي رأسه شريط ثقيل:
تسع سنوات جمعتهما في مكتب واحد.
بينما كان يخطط لحرب أكتوبر،
كان الخائن يجلس إلى جواره،
يبيع الوطن في الخفاء،
ويتسبب بخيانته في موت أبرياء.
لا أحد يعرف ماذا قيل،
ولا كيف انتهت الكلمات،
لكن المؤكد أن القائد أخرج مسدسه،
وصوبه نحو رأس فاروق الفقي،
وأطلق تسع طلقات…
رصاصة عن كل سنة ثقة،
وعن كل دمٍ سقط.
وبعد حرب أكتوبر،
حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل التدخل للعفو عن الجاسوسة هبة سليم،
لكن الرئيس السادات رفض كل المحاولات دون تردد،
وأصدر قراره الحاسم:
لا عفو عن خائن،
ولا رحمة مع من تسبّب في دماء المصريين.
فتم تنفيذ حكم الإعدام،
لتكون الرسالة واضحة لا لبس فيها:
الوطن لا يُباع… ومن يبيعه يدفع الثمن كاملًا.
ثم جاءت لحظة النصر،
وكان رجال الصاعقة في قلب المعركة،
يقطعون الإمدادات،
يعزلون مواقع العدو،
ويمهدون الطريق للعبور التاريخي.
نبيل شكري لم يكن قائدًا من خلف المكاتب،
بل قائدًا يرى أن الشرف أثقل من الرتبة،
وأن التغاضي عن الخيانة… خيانة أكبر.
لم يُنصفه الإعلام كثيرًا،
لكن اسمه محفور في عقيدة الصاعقة،
وفي تاريخ نصر لم تصنعه الكلمات،
بل صنعه الرجال.
رحم الله اللواء نبيل شكري،
قائدًا عاش شريفًا،
وتحمّل أثقل القرارات،
ومات واسمه مرتبطًا بالشرف قبل الرتبة،
وبالوطن قبل أي شيء.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى